مشروع نهضة السودان: ممرات النمو الزراعي-الصناعي حول المدن السودانية المنتجة

استعرضتُ في مقالي السابق، الموسوم “مشروع نهضة السودان: نماذج دولية لممرات التنمية حول المدن المنتجة”(1)، التجارب الدولية بشأن ممرات النمو المرتكزة حول المدن المنتجة، وبيّنتُ كيف شكّلت أداة فعّالة لتحديث الزراعة وربطها بقطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات، بما أسهم في رفع الإنتاجية، وتعميق سلاسل القيمة، وخلق فرص العمل.
وتدعم هذه الشواهد الطرح الوارد في التقرير المرجعي بشأن السودان(2)، وأطروحته المركزية الداعية إلى اعتماد مشروع ممرات النمو الزراعي-الصناعي حول المدن المنتجة ركيزةً أساسيةً لمشروع نهضة السودان القادمة، بإذن الله تعالى.
وكما أشرتُ في المقال السابق، إلى جانب دورها الاقتصادي في رفع الإنتاجية ودفع التحول الهيكلي، تمثل ممرات التنمية الزراعية-الصناعية حول المدن المنتجة أداةً محورية لمعالجة اختلالات التنمية الجهوية في السودان.
إذ تقوم على إعادة توزيع محركات النمو والاستثمار عبر الأقاليم، وربط كل إقليم بميزاته النسبية، بما يسهم في تفكيك الإرث التاريخي لتركّز التنمية في الوسط النيلي.
وقد شكّل هذا الاختلال أحد الجذور العميقة لأزمة المشروع الوطني، رغم التخلف العام الذي طال البلاد بأسرها.
وعليه، فإن هذه الممرات لا تُختزل في بعدها الاقتصادي، بل تُعد مدخلاً بنيوياً لإعادة التوازن الإقليمي، ودمج الأقاليم المهمشة في الاقتصاد الوطني، وتعزيز التماسك الاجتماعي والسياسي، بوصفه شرطاً ضرورياً لنهضة شاملة ومستدامة في مرحلة ما بعد الحرب.
أولاً، الممرات الزراعية-الصناعية المقترحة حول المدن المنتجة في السودان:
بإسقاط هذا النموذج التنموي على الاقتصاد الزراعي السوداني، اقترح التقرير أربعة عشر ممرّاً زراعياً-صناعياً حول المدن المنتجة، تراعي الثراء والتنوع في قاعدة الموارد الزراعية السودانية، ونقاط القوة والفرص في كل منطقة، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة تحفيز النمو، والحد من الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي في مختلف أقاليم البلاد.
وتربط ممرات التنمية الزراعية-الصناعية المقترحة بين الموارد الإقليمية المتميزة، وإمكانيات النفاذ إلى الأسواق، والمؤسسات القائمة، لخلق محاور نمو متنوعة.
(طبعاً، هناك مشروعات أخرى محتملة يمكن أن تتكامل مع منظومة ممرات المدن المنتجة، مثل مشروع وادي الهواد ومشروع وادي الملك ومشروع وادى هور، إضافة إلى أفكار يمكن النظر فيها، كإنشاء قناة النيل الأبيض-كردفان لنقل المياه إلى مدينة الأبيض وإقامة مشروع زراعي استيطاني يربط النيل الأبيض بكردفان، وكذلك مبادرة نقل مياه النيل إلى بورتسودان وساحل البحر الأحمر).
ولا تقتصر الاستراتيجية التي تبناها التقرير على محصول واحد أو موقع واحد، بل تقوم على تنويع “محفظة الإنتاج” حسب طبيعة كل ممر، بحيث يُقرن كل ممر ميزته النسبية – سواء في الزراعة المروية، أو الحبوب والبذور الزيتية المطرية، أو الثروة الحيوانية، أو مصايد الأسماك – بالصناعات التحويلية المجاورة، مثل المطاحن، ومعاصر الزيوت، والمنسوجات، وحظائر التسمين، وصناعات الجلود، وسلاسل التبريد.
كما تمثل الاستثمارات الأفقية المشتركة – في المطارات الإقليمية الصغيرة والطرق الفرعية، والتخزين، وأنظمة الصحة النباتية والبيطرية، والتمويل، والبحث والإرشاد – عناصر حاسمة لتحويل تنوع موارد السودان إلى سلاسل قيمة قادرة على المنافسة والتصدير، وتوليد فرص عمل واسعة النطاق.
وفيما يلي عرض موجز للممرات المقترحة الأربعة عشر:
• ممر البحر الأحمر: ممر متعدد القطاعات يجمع بين الزراعة (دلتا طوكر)، والثروة البحرية، والتعدين، والسياحة، مع ميزة لوجستية استراتيجية عبر الموانئ.
• ممرالقضارف-الرهد: محور الحبوب والزيوت في السودان، قائم على الزراعة شبه الآلية، والصوامع، والتكامل مع أسواق التصدير عبر بورتسودان.
• ممر حلفا الجديدة-كسلا: ممر زراعي-صناعي شرقي يرتكز على الري، والسكر، والفاكهة، وتربية الماشية، مع قرب لوجستي من الموانئ والأسواق الإقليمية.
• ممر النهود-غبيش-الخوي: المركز الأبرز لإنتاج الصمغ العربي والفول السوداني فى البلاد، إضافة إلى الضأن الحمري عالي الجودة، مع آفاق للتوسع في صناعات الزيوت، والأعلاف، واللحوم، والجلود.
• ممر الأبيض-الرهد-أم روابة-بارا-سودري: مركز الصمغ العربي والزيوت والثروة الحيوانية، مع دور محوري للصناعات الجلدية والغذائية.
• ممر الدلنج-كادقلي-العباسية: ممر قائم على القطن المطري، والفاكهة، والزيوت، كثيف العمالة، وذو إمكانات قوية للتصنيع الزراعي الموجّه للحد من الفقر.
• ممر الفولة-بابنوسة-لقاوة: ممر زراعي-رعوي غني بالحبوب الزيتية، والصمغ العربي، والماشية، مدعوم بموارد نفطية وصناعات غذائية تقليدية.
• ممر الفاشر-نيالا-الضعين: ممر واسع الموارد، يركز على اللحوم، والزيوت، والحبوب، والصمغ العربي، مع فرص للتكامل مع أسواق دول الجوار.
• ممر الجنينة-زالنجي: ممر زراعي-بيئي يجمع بين الفاكهة عالية الجودة (جبل مرة)، والصناعات الغذائية، والفرص السياحية.
• ممر الجزيرة-المناقل: قاعدة الإنتاج المروي الأكبر في البلاد، ويشكّل ركيزة للصناعات التحويلية الزراعية (النسيج، والزيوت، والطحن، والألبان)، مع تنظيمات مزارعين وبنية بحثية راسخة.
• ممر سنار-السوكي-الدندر-الدمازين: ممر متنوع الموارد والأنظمة الإنتاجية، يجمع بين الزراعة المروية والمطرية، والصناعات السكرية والزيتية والنسيجية، مع فرص للسياحة البيئية.
• ممر كوستي-الدويم: ممر للصناعات الغذائية الثقيلة (السكر، والألبان، واللحوم، والأسماك)، مستند إلى قاعدة زراعية واسعة وربط نقل بري وسككي.
• ممر مروي-دنقلا-حلفا: ممر زراعي-تصديري عالي الإمكانات للحبوب والفاكهة والثروة السمكية، مدعوم ببنية تحتية قائمة وربط مباشر بالسوق المصري والصناعات الغذائية، مع آفاق واعدة لإنعاش السياحة الأثرية المرتبطة بالحضارة الكوشية العظيمة.
• ممر الخرطوم-شندي-الدامر: القلب الصناعي-الاستهلاكي للبلاد، يركز على الصناعات الغذائية المتكاملة (اللحوم، والألبان، والزيوت، والخضر)، مستفيداً من السوق الأكبر والبنية المؤسسية والمالية.
ثانياً، الانتقال الاستثماري المطلوب والآفاق الممكنة:
من المعلوم أن تمويل هذا النموذج التنموي الطموح سيتطلب استثمارات ضخمة وعلى مدى زمني طويل، عقب تحقيق سلام موثوق ومستدام في السودان.
وباستخدام نموذج تجريبي شائع للنمو، يقدّر البدوي وفيوراتي (2024)(3) أن إجمالي الاستثمار المطلوب لتمويل نمو سريع تقوده الزراعة – بنسبة تقارب 10 في المائة سنوياً -سيبلغ نحو 186 مليار دولار (بالقيمة الحقيقية لدولار عام 2021) خلال السنوات العشر الأولى، على أن تستوعب الممرات الزراعية-الصناعية المقترحة الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات.
كما تشير دراسة قدمها السيد/ وجدي ميرغنى محجوب، رائد الزراعة التعاقدية في السودان(4)، إلى ورشة منتدى البحوث الاقتصادية بالخرطوم في يناير 2023 (أي قبل أربعة أشهر من اندلاع الحرب)، إلى أن المتطلبات المالية لتطوير الزراعة السودانية – بما يشمل الزراعة، واستصلاح الأراضي، والري، والتصنيع التحويلي – لتغطية عجز السلع الغذائية الأساسية في العالم العربي، تُقدَّر بنحو 165 مليار دولار.
وعليه، تتوافر آفاق واقعية لتعبئة هذا المبلغ ضمن إجمالي الاستثمارات المطلوبة، عبر تدفقات الاستثمار المحلي والأجنبي، في إطار اهتمام متجدد بالسودان بوصفه “سلة غذاء” محتملة للعالم العربي وأفريقيا.
وإلى جانب ذلك، ونظراً للدور الحاسم للبنية التحتية بوصفها محفزاً رئيساً للتنمية والنمو الاقتصادي، فإن تحويل الزراعة السودانية وفق هذه الاستراتيجية سيتطلب استثمارات إضافية على مستوى الاقتصاد الكلي في مجالات النقل، والطاقة المتجددة وغير المتجددة، وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات، فضلاً عن تطوير ساحل البحر الأحمر.
وتحتاج البنية التحتية في السودان إلى تنفيذ مشاريع جديدة، وإعادة تأهيل المنشآت المتدهورة، وتعزيز الصيانة الوقائية، لدعم رؤية ممرات نمو متكاملة، لا سيما في قطاعي الطاقة والنقل.
ومن شأن تحسين تغطية الاتصالات السلكية واللاسلكية، وإدخال تكنولوجيات المعلومات المتقدمة، أن يسهما في رفع الكفاءة والإنتاجية.
وفي هذا السياق، كانت وزارة النقل في الحكومة الانتقالية قد قدمت، خلال مؤتمر باريس عام 2021، خطة استثمارية في البنية التحتية بقيمة تقارب 30 مليار دولار، شملت إعادة التأهيل والصيانة والمشاريع الجديدة في الموانئ البحرية، والملاحة النهرية، والسكك الحديدية، والطرق السريعة، والنقل الجوي.
ورغم ضخامة الهدف الاستثماري المطلوب، فإن الإمكانات الهائلة للزراعة السودانية تجعل تعبئته أمراً ممكناً خلال العقد الأول بعد الحرب.
ويشير تقرير للبنك الدولي (2020)(5) إلى ثلاثة أسباب رئيسة تجعل الزراعة السودانية جذابة للاستثمار الأجنبي المباشر:
أولها توافر موارد زراعية وبيئية واسعة ومتنوعة، تشمل نحو 74 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، وأكثر من 110 ملايين رأس من الماشية، وموارد غنية للمصايد البحرية والمياه العذبة، إضافة إلى المياه الجوفية والسطحية، والتنوع البيولوجي والموارد الجينية.
وثانيها تنوع المنتجات الزراعية وتمتع السودان بميزة نسبية واضحة في عدد منها، فضلاً عن موقعه الجغرافي الذي يضعه أقرب إلى بعض أكبر الأسواق المستوردة للسمسم واللحوم مقارنة بالمصدرين المنافسين، إلى جانب ريادته العالمية في إنتاج الصمغ العربي.
أما السبب الثالث، فيتمثل في اتساع هامش النمو الممكن، إذ لا يُستغل حالياً سوى أقل من 23 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة، بينما لا تزال غلات معظم المحاصيل دون أفضل المستويات التي حققها السودان في مراحل سابقة، ما يفتح المجال واسعاً أمام زيادات كبيرة في الإنتاج.
ثالثاً، خاتمة:
في المحصلة، تمثل ممرات النمو الزراعي-الصناعي حول المدن المنتجة إطاراً عملياً ومتكاملاً لإعادة بناء الاقتصاد السوداني على أسس إنتاجية وعدالة جهوية بعد الحرب.
فهي تجمع بين استثمار الميزات النسبية للأقاليم، وتعميق التصنيع الزراعي، وخلق فرص العمل، وتعزيز التماسك الاجتماعي، في سياق رؤية تنموية قادرة على تحويل الزراعة من قطاع تقليدي ضعيف الإنتاجية إلى قاطرة للنمو المستدام.
غير أن نجاح هذه الرؤية يظل مرهونًا بتحقيق سلام مستدام، وبناء مؤسسات فاعلة، وحشد استثمارات عامة وخاصة، وطنية ودولية، تضع السودان على مسار نهضة حقيقية وشاملة تستجيب لتطلعات شعبه وتحديات مرحلته التاريخية.
ونواصل، بإذن الله تعالى، في المقال القادم الكتابة عن حكاية ومآلات ثلاث مدن – نيالا وبورتسودان ومروي – في سياق الانتقال المأمول من ضيق “عسكرة السياسة” إلى الآفاق الرحبة لمشروع “ممرات التنمية والمدن المنتجة”.
(1) أنظر المقال فى هذا الرابط:
مشروع نهضة السودان: نحو تحول زراعي-صناعي عبر ممرات النمو والمدن المنتجة
(2) أنظر التقرير فى هذا الرابط:
1659257696_282_6382995_prr40 (21).pdf
(3) أنظر مقال البدوى وفيوراتى فى هذا الرابط:
file:///C:/Users/Dr.Ibrahim/Downloads/1719326973_369_4072596_1708(3).pdf
(4) لعبت مجموعة “محجوب أولاد” التى يرأسها السيد/ وجدي ميرغني دوراً محورياً في تعزيز مفهوم الزراعة التعاقدية في السودان، عبر تجسير العلاقة بين المنتج الزراعي والأسواق المنظمة وتقليل مخاطر التضخم وتقلب الأسعار للمزارعين الصغار. وقد ساهم في ترسيخ هذا النموذج من خلال شراكات مع المزارعين يتم بموجبها توفير التمويل والتجهيزات والبنية اللوجستية اللازمة، مما عزز الإنتاج والإنتاجية والاستقرار في سلاسل التوريد، وفتح آفاقاً أوسع لتصدير المحاصيل، خاصة فى شرق السودان وكردفان.
(5) تقرير البنك الدولى:
World Bank. 2020. SUDAN Agriculture Value Chain Analysis. Agriculture Global Practice Finance, Competitiveness and Innovation Global Practice, Washington DC, USA, June.




بعد مراجعة المقال المقدم، الذي يركز على رؤية “ممرات النمو الزراعي-الصناعي” كإطار لإعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد الحرب، يمكن تقديم النقد الموضوعي التالي، الذي يسلط الضوء على نقاط القوة والضعف:
نقاط القوة في المقال:
1. رؤية شاملة ومتكاملة: يقدم المقال رؤية استراتيجية واضحة تربط بين القطاع الزراعي (الذي يمتلك السودان فيه ميزة نسبية) والقطاع الصناعي (المُولِد للقيمة المضافة والوظائف)، وهو نهج ضروري لأي تنمية مستدامة.
2. التركيز على العدالة الجهوية: يعترف المقال صراحة بضرورة معالجة الفوارق الإقليمية وتوزيع عوائد التنمية، وهو مطلب أساسي لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي في السودان، خاصة بعد الحرب.
3. الواقعية في التشخيص: يشير المقال بشكل صحيح إلى المشكلات القائمة، مثل تدني الإنتاجية الزراعية مقارنة بالإمكانات، واستغلال 23% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة. هذا التشخيص الدقيق يضفي مصداقية على الحلول المقترحة.
4. الخاتمة الواقعية: يختتم المقال بشروط واضحة للنجاح (السلام المستدام، المؤسسات الفاعلة، حشد الاستثمارات)، مما يمنع القراءة عن كونها حلماً طوباوياً ويربطه بمعطيات الواقع الصعبة.
نقاط الضعف والانتقادات الموضوعية:
1. إغفال التحديات العملية الهائلة: يتخطى المقال بسلاسة العقبات الكبرى التي تجعل التحول من “القطاع التقليدي ضعيف الإنتاجية” إلى “قاطرة للنمو” أمراً بالغ الصعوبة. مثل:
· البنية التحتية المدمرة: يحتاج الممر الزراعي-الصناعي لطرق، سكك حديدية، طاقة كهربائية مستدامة، ومياه للري. كيف ستبنى هذه في ظل اقتصاد منهك وبنية تحتية دمرتها الحرب؟
· تفتيت الأراضي والنزاعات عليها: بعد النزاعات، تزداد تعقيدات قضايا الملكية والأراضي، خاصة في مناطق مثل دارفور وكردفان. أي مشروع تنموي يجب أن يبدأ بحلول لهذه الإشكاليات أولاً.
· نقص رأس المال البشري المؤهل: يتطلب التحول الصناعي-التقني مهارات إدارية وفنية قد تكون نادرة حاليًا، مما يستلزم برامج تدريب ضخمة وطويلة الأمد.
2. الافتراض بأن “الميزات النسبية” ستبقى ثابتة: يفترض المقال أن السودان سيظل قادراً على المنافسة في الأسواق العالمية بإنتاجه الزراعي والصناعي المعتمد عليه. يتجاهل هذا التحديات العالمية مثل تغير المناخ (الذي يؤثر بشدة على الزراعة السودانية)، وتقلب أسعار السلع الأساسية، والمنافسة الشديدة من دول أخرى.
3. العمومية والتجريد: على الرغم من وضوح الفكرة العامة، يبقى المقال مجرداً. فهو لا يحدد:
· آليات الحوكمة: من سيدير هذه “الممرات”؟ هل هي سلطة مركزية أم مجالس إقليمية؟ وكيف تُوزع السلطات والموارد بينهما؟
· آليات التمويل التفصيلية: من أين تأتي الاستثمارات “العامة والخاصة والوطنية والدولية” في بيئة عالية المخاطر سياسياً وأمنياً؟ كيف ستجذب الحكومة هذه الاستثمارات؟
· الأولوية: أي المحاصيل والصناعات التحويلية ستكون لها الأولوية، ولماذا؟
4. خطر التمركز حول المدن وإهمال الريف: فكرة التمركز “حول المدن المنتجة” قد تعيد إنتاج نموذج النمو غير المتوازن، حيث تتركز الثروة والفرص في مراكز حضرية، بينما يظل الهامش الريفي (حيث تتم الزراعة الفعلية) مستغلاً ومهمشاً، مما يقوض هدف “العدالة الجهوية” ذاته.
5. العلاقة السببية المعكوسة في الخاتمة: يشير المقال إلى أن نجاح الرؤية “مرهون بتحقيق سلام مستدام”. ولكن يمكن القول أيضاً إن تحقيق تنمية حقيقية وعادلة هو أحد أهم سبل تحقيق السلام المستدام. المقال يقدم الرؤية كنتاج للسلام، بينما هي في الحلقة الواقعية قد تكون شرطاً مسبقاً لترسيخه.
الخلاصة النقدية:
يقدم المقال رؤية اقتصادية سليمة من الناحية النظرية وتطلعية، وتستند إلى مبادئ التنمية المتوازنة والمعتمدة على الموارد المحلية. وهو يجيب على سؤال “إلى أين يجب أن نتجه؟” بشكل مقنع.
لكن ضعفه الرئيسي يكمن في إغفاله التفاصيل العملية والتحديات الجسيمة التي تجعل الإجابة على سؤال “كيف نصل من هنا إلى هناك؟” غامضة ومتفائلة بشكل قد يكون غير واقعي. المقال يشبه “خارطة طريق” ترسم الوجهة النهائية بوضوح، لكنها تخلو تقريباً من التفاصيل حول حالة الطرق، وجسور الأنهار المنهارة، ومحطات الوقود على طول الطريق.
لذا، فإن قيمة المقال تكمن في كونه إطاراً توجيهياً وأرضية للنقاش، يحتاج إلى أن تُبنى عليه دراسات جدوى تفصيلية، وسيناريوهات مرحلية واقعية، وخطوات سياسية ومؤسسية واضحة، تأخذ في الاعتبار التعقيدات الهائلة للسودان ما بعد الحرب. بدون ذلك، يبقى تصوراً قيماً ولكنه قد يقع في خانة الخطط التنموية الجميلة غير القابلة للتنفيذ.
الأخ بروف إبراهيم،
عساكم بخير وصحة جيدة.
اتابع كتاباتكم القيمة بشغف شديد.
عندي بعض التساؤلات:
1. أليس من الضروري أن نتحدث في البداية عن برنامج اسعافي – قصير الأجل – بعد الحرب، بأولويات:
. إعادة توطين النازحين واللاجئين، –
توفير الخدمات الصحية، -توفير وتوزيع الغذاء، مياه الشرب.. -التعليم،
وأن تكون هذة المهام، البرنامج الأساسي للفترة الانتقالية.
ما يتعلق بالتنمية، يتطلب حوار عميق وقرارات مصيرية، مكانها الجهاز التشريعي (البرلمان). وهو الجهة المسئولة قانونيأ وأخلاقيأ عن تحديد النموذج التنموي الأكثر جدوي لمستقبل البلاد. وبطبيعة الحال، وبالضرورة يجب أن ينبني علي “رؤية ومهمة” يحددها دستور البلاد. (راجع الدستور الهندي) كمثال. بهذه الطريقة، فقط يتحدد النموذج والمسار التنموي.
كما تعلم جيدأ، الزراعة مهمة جدأ لحياة الناس، لكنها لا تنتج القيمة المضافة الأعلي مقارنة بالقطاع الصناعي. صحيح ان لنا في السودان ميزات نسبية مقدرة للتوجه نحو الانتاج الزراعي والتصنيع الزراعي. لكن السؤال: هل ميزاتنا النسبية في مجالات التعدين والطاقة قليلة ؟
وهل نريد ان نكون مزرعة للعالم؟
الحديث ذو شجون وما طرحته من نموذج جدير بالنقاش والاهتمام.
تسلم بروف.
الشكر والتحية للأخوين دكتور حسن وداعة والأستاذ على عبد الله الخليفة على هذه الأفكار البناءة والتغذية العكسية الهامة. باذن الله ساخذ هذه المقترحات فى مقالاتى القادمة، إلا أننى اود توضيح التالى:
– ازمع تخصيص مقال او اكثر لمسالة حوكمة مشروع ممرات النمو حول المدن المنتجة وهذه القضية مرتبطة برؤيتى بشان مستويات الحكم وضرورة التركيز على المحليات وإلغاء الولايات إذا امكن ذلك
– مسالة التحيز الحضرى تحدث دايماً فى سياق التوسع الحضرى الادارى البيروقراطى لكن ما أدعو اليه فى سياق ممرات التنمية يتطلب تعزيز ذاتى متبادل بين المدينة وممراتها الريفية ( خذ مثلاً حالة مدينة شيكاغو – عاصمة الزراعة الأمريكية- والغرب الأوسط الامريكى – سلة غذاء أمريكا والعالم- فى سياق تطورهما التاريخى … وغير ذلك من التجارب العالمية)
– اخيراً، لقد عالجت قضايا الإسعاف الاقتصادى فى عدة مقالات سابقة، حيث لا يمكن الإحاطة بكل هذه القضايا دفعة واحدة فى مقال واحد ولكن ما اطمح اليه هو طرح منظومة من الأفكار فى عدة مقالات مترابطة.
مع خالص شكرى وتقديرى.