سودان بين رهانات الخارج وقوة الداخل: من يصنع طريق(3)
السودان بين رهانات الخارج وقوة الداخل: من يصنع طريق النجاة؟

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ
في خضم الانهيار الإنساني
والسياسي الذي يعيشه السودان منذ اندلاع الحرب، يتجه النظر كثيرًا نحو العواصم الدولية ومؤتمراتها، بحثًا عن مخرج للأزمة. غير أن التجارب المتراكمة تشير إلى حقيقة أكثر تعقيدًا: أن أي تسوية لا تستند إلى قوة الداخل، وتحديدًا المجتمعات المحلية والقوى المدنية، تظل عرضة للهشاشة والانهيار.
لقد شكّلت اللقاءات الدولية—ومن بينها تلك التي عُقدت في برلين—محطات مهمة لإبقاء الأزمة السودانية على طاولة الاهتمام العالمي، ومحاولة تنسيق الجهود الدبلوماسية والإنسانية. إلا أن هذه الجهود، رغم أهميتها، غالبًا ما تصطدم بحدود الإرادة الدولية وتضارب المصالح، ما يجعل تأثيرها محدودًا ما لم تُترجم إلى ضغط حقيقي وملزم على أطراف النزاع.
في المقابل، يبرز داخل السودان مشهد آخر أقل صخبًا إعلاميًا، لكنه أكثر عمقًا وتأثيرًا: مشهد المجتمعات المحلية التي تحاول، رغم قسوة الحرب، أن تحافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي. في الأحياء والقرى، نشأت مبادرات أهلية لتوفير الغذاء، وإيواء النازحين، وتقديم الإسعافات الأولية، وتنظيم الحياة اليومية في ظل غياب الدولة. هذه الجهود، التي غالبًا ما تُدار بموارد شحيحة وروح تضامنية عالية، تمثل خط الدفاع الأول عن بقاء المجتمع.
كما تلعب لجان المقاومة، ومنظمات المجتمع المدني، والشبكات التطوعية دورًا محوريًا في توثيق الانتهاكات، ورفع الوعي، والدفاع عن حقوق المدنيين. وعلى الرغم من الاستهداف المباشر الذي تتعرض له هذه الكيانات، فإنها تواصل العمل، مستندة إلى إرث طويل من النضال المدني الذي تجلّى بوضوح في ثورة ديسمبر.
غير أن هذا الدور الحيوي يواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها الانقسام السياسي بين القوى المدنية نفسها، وضعف التنسيق، وغياب رؤية موحدة لإدارة المرحلة الانتقالية بعد الحرب. فالتباينات في المواقف، سواء تجاه الحلول التفاوضية أو العلاقة مع الأطراف العسكرية، أضعفت من قدرة هذه القوى على تشكيل جبهة مدنية صلبة يمكن أن تفرض نفسها كبديل حقيقي.
من هنا، فإن إعادة بناء الثقة بين مكونات القوى المدنية، وتوحيد خطابها السياسي، يصبحان شرطين أساسيين لتعزيز دورها في أي عملية سلام مستقبلية. كما أن دعم المجتمعات المحلية—ليس فقط إنسانيًا، بل أيضًا سياسيًا وتمكينيًا—يُعد استثمارًا مباشرًا في استقرار البلاد على المدى الطويل.
أما على الصعيد الدولي، فإن المطلوب لا يقتصر على عقد المؤتمرات أو إصدار البيانات، بل يتطلب إعادة توجيه الدعم ليصل مباشرة إلى الفاعلين المدنيين المحليين، مع ضمان حمايتهم، وفرض آليات رقابة صارمة على تدفق السلاح، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
إن معركة السودان اليوم ليست فقط معركة وقف إطلاق النار، بل هي معركة إعادة تعريف من يمتلك الشرعية في تمثيل الشعب وصياغة مستقبله. وبينما قد تفتح العواصم الدولية نوافذ للحل، فإن الأبواب الحقيقية للنجاة تُصنع داخل السودان، على أيدي مجتمعاته الحية وقواه المدنية، إذا ما استطاعت أن تتجاوز انقساماتها وتستعيد زمام المبادرة.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي حل مستدام أن يُفرض من الخارج، ولا لأي سلام أن يصمد دون جذور داخلية قوية. والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل تنجح القوى المدنية والمجتمعات المحلية في تحويل معاناتها إلى قوة تغيير، أم يظل السودان رهينة لتوازنات السلاح ومصالح الخارج؟



