الركن الرابع: التمثيل الإقليمي وآليات التوافق الموزون كبديل للشرعية النخبوية.. دراسة تحليلية ضمن مسار ميثاق النجاة وبناء الدولة

د. علي عبدالله الخليفة طه
تصدير: أزمة التمثيل بوصفها جذر أزمة الشرعية
لم تفشل التحالفات المدنية السودانية المتعاقبة، من إعلان الحرية والتغيير إلى تقدم فإلى منصات لاحقة، لغياب النوايا الوطنية الصادقة لدى أغلب مكوناتها، بل لأنها جميعاً استنسخت نفس البنية التمثيلية القديمة: تفاوض بين قوى مركزية، غالباً حضرية، تدّعي تمثيل الأقاليم والفئات المهمّشة دون آلية تحقق فعلية لذلك التمثيل.
وحين تُختزل عملية بناء الشرعية إلى توقيع “ميثاق” من قبل رؤساء أحزاب وتنظيمات في الخرطوم أو المنافي، فإن الوثيقة الناتجة، مهما بلغ نبل مضمونها، تحمل عيب النشأة ذاته الذي حاولت الفرار منه: شرعية مُعلَنة من المركز لا شرعية متراكمة من الأطراف.
الركن الرابع من ميثاق النجاة وبناء الدولة يشكل محاولة لمعالجة هذا العيب البنيوي من جذوره.
أولاً: المبدأ التأسيسي: الشرعية الوظيفية من الأطراف إلى المركز
ينطلق الركن الرابع من افتراض مغاير لما درجت عليه التحالفات السابقة: الشرعية السياسية لا تُمنَح بإعلان، بل تُبنى عبر تراكم وظيفي فعلي.
بعبارة أخرى، فإن الجهة التي تثبت قدرتها الفعلية ولو المحدودة جغرافياً على تسيير شؤون مجتمعها المحلي، وتوفير حد أدنى من الحماية والخدمة والمصالحة، تكتسب مشروعية تمثيلية أعلى من أي تنظيم مركزي يدّعي التمثيل الوطني الشامل دون رصيد ميداني موازٍ.
هذا المبدأ ليس تنظيراً مجرداً؛ فهو يتقاطع مع الواقع الذي أفرزته الحرب ذاتها، حيث برزت لجان الطوارئ والمقاومة والمبادرات الشبابية كفاعلين يمتلكون شرعية ميدانية متجذرة تفوق أحياناً شرعية التنظيمات السياسية التقليدية.
ثانياً: هندسة التصعيد التمثيلي المرحلي
يقترح الركن الرابع بنية تصاعدية من ثلاث مراحل متتابعة، بحيث لا يُنتقَل إلى مرحلة إلا بعد ترسخ سابقتها.
وحتى لا يبقى “الترسخ” معياراً فضفاضاً يُفتح على التأويل السياسي، يُشترط لكل انتقال معيار قدرة مؤسسية محدد سلفاً لا مجرد تقدير زمني:
المرحلة الأولى: المجالس المحلية: تُشكَّل على مستوى المحلية أو المديرية، بعضوية تجمع لجان الطوارئ والإدارات الأهلية والفعاليات المدنية المحلية، وتُناط بها مهمة تمثيل احتياجات المجتمع المحلي ومراقبة أي ترتيبات أمنية أو إغاثية تخصه مباشرة.
شرط الانتقال منها: إثبات قدرة المجلس على عقد اجتماعات دورية موثقة وتسوية نزاع محلي واحد على الأقل بآلية شفافة.
المرحلة الثانية: الجمعيات الإقليمية: تجمّع مندوبين من المجالس المحلية على مستوى الإقليم (دارفور، كردفان، الشرق، الوسط… إلخ)، بحيث يكون التمثيل الإقليمي انعكاساً فعلياً لتراكم محلي، لا تعييناً حزبياً من أعلى.
شرط الانتقال منها: تمثيل فعلي لأغلبية المحليات في الإقليم (لا أقل من نصابٍ يُحدَّد لاحقاً)، لا تمثيل شكلي لعدد رمزي منها.
المرحلة الثالثة: الهيئة الوطنية للتوافق الموزون: تجمع مندوبي الجمعيات الإقليمية وفق معايير وزن محددة سلفاً (انظر ثالثاً)، وتكون هي الجهة الوحيدة المخوّلة بالتفاوض نيابة عن “الجسم المدني” في أي مسار انتقالي، بما يُنهي ظاهرة تعدد المنابر المتنافسة على تمثيل ذات القاعدة الاجتماعية.
ثالثاً: معايير التوافق الموزون
لتفادي الوقوع في فخّ التمثيل الشكلي (مقعد واحد لكل إقليم بصرف النظر عن حجمه وتضرره)، يعتمد الركن الرابع معايير وزن مركّبة لا معياراً واحداً:
١. الوزن السكاني النسبي لكل إقليم، وفق أفضل التقديرات المتاحة في ظل غياب تعداد حديث موثوق.
٢. درجة التضرر الإنساني المباشر من الحرب (نزوح، دمار بنية تحتية، خسائر بشرية)، بما يمنح الأقاليم الأشد تضرراً وزناً تمثيلياً إضافياً بدل أن يُعاقَبها ضعف تنظيمها السياسي المركزي.
٣. درجة التهميش التاريخي البنيوي، اعترافاً بأن التمثيل العددي المجرد لا يصحح بمفرده اختلالات تراكمت لعقود في توزيع السلطة والثروة.
هذا التركيب المعياري الثلاثي هو ما يميّز “التوافق الموزون” عن كل من التمثيل العددي الصرف (الذي يكرّس هيمنة الكتلة السكانية الأكبر) والتمثيل التوافقي الحزبي الصرف (الذي يكرّس هيمنة النخب المنظمة تنظيمياً بصرف النظر عن قاعدتها الشعبية الفعلية).
إعادة التوزين الدوري: الاعتماد على “التهميش التاريخي” و”التضرر الإنساني” كمعيارين ثابتين يحمل مخاطرة حقيقية: أن تتجمد الأوزان التمثيلية عند لحظة قياسها الأولى، فتتحول من أداة إنصاف إلى امتياز دائم لا يعكس تغيّر الواقع (كتراجع التضرر الإنساني مع الاستقرار، أو نجاح برامج تنموية تعالج جانباً من التهميش).
يُقترح أن تخضع الأوزان الثلاثة لإعادة تقييم دورية (كل دورتين انتخابيتين مثلاً)، بحيث يبقى الوزن التمثيلي انعكاساً حياً للواقع لا صورة مجمّدة عن لحظة الأزمة.
رابعاً: العلاقة بالبنية الثلاثية للعدالة الانتقالية
لا ينفصل الركن الرابع عن بنية العدالة الانتقالية الثلاثية الطبقات التي تشكل ركناً موازياً في الميثاق؛ فالمجالس المحلية ذاتها التي تُبنى عليها المرحلة الأولى من التصعيد التمثيلي هي بعينها الجهة المخوّلة بتشغيل الطبقة الأولى من العدالة الانتقالية (مجالس المصالحة المحلية).
هذا التقاطع المتعمَّد بين البنيتين التمثيلية والعدلية يعني أن المجتمعات المحلية لا تُمنَح صوتاً سياسياً منفصلاً عن قدرتها على معالجة جراحها الخاصة، بل يصبح الصوت السياسي والمصالحة المجتمعية مسارين متلازمين ينموان من الجذر ذاته، بدل أن تُدار العدالة الانتقالية كملف تقني منفصل تشرف عليه لجنة مركزية بمعزل عن ديناميكيات التمثيل السياسي الفعلي.
تنبيه ضروري: هذا التقاطع بين المجالس المحلية التمثيلية ومجالس المصالحة العدالية يجب ألا يُفهم كدمج للاختصاصين في جسم واحد بلا تمييز؛ فحسب “نافذة الإحالة الإلزامية” المقررة في القسم الخامس من الميثاق، تبقى الجرائم الكبرى محالة وجوباً لدائرة الجرائم الكبرى بصرف النظر عن نشاط المجلس المحلي في ملفات المصالحة الأصغر.
المجلس المحلي هنا منبر تمثيلي-مصالحاتي، لا هيئة قضائية بديلة.
خامساً: مخاطر البطء والاختراق والتجميد
لا يخفى أن أي بنية تصعيدية من هذا النوع تواجه ثلاثة اعتراضات جادّة.
الأول البطء: في ظل حرب مستمرة وأزمة إنسانية طاحنة، هل يملك السودان ترف الانتظار حتى تترسخ ثلاث مراحل تمثيلية متعاقبة؟
والجواب أن المراحل الثلاث ليست بالضرورة متتابعة زمنياً بصرامة، بل يمكن تفعيلها بالتوازي في الأقاليم الأكثر استقراراً نسبياً بينما تتأخر في مناطق النزاع الفعلي، مع تفعيل آلية “مقاعد احتياطية مؤقتة” للأقاليم التي يتعذر فيها التصعيد الكامل، تُراجَع دورياً.
الثاني مخاطر الاختراق: أن تستولي قوى مسلحة أو حزبية على المجالس المحلية ذاتها وتُفرغها من تمثيليتها الحقيقية.
وهنا تكمن أهمية اشتراط تعددية العضوية داخل كل مجلس محلي (لجان طوارئ + إدارة أهلية + فعاليات مدنية) بحيث لا تملك جهة واحدة احتكار التمثيل حتى على المستوى المحلي الأول.
الثالث: مخاطر التجميد البنيوي.
هذا الاعتراض هو الأخطر على المدى الطويل: أن تتحول بنية التصعيد الثلاثي نفسها بعد نجاحها في مرحلة الانتقال إلى هيكل دائم يُكرّس الهويات الإقليمية بدل إذابتها تدريجياً في مواطنة وطنية جامعة، فتُنتج طبقة من الوسطاء الإقليميين الدائمين الذين تُعاد شرعيتهم آلياً دون تجديد فعلي لتفويضهم الشعبي.
لمعالجة هذا الخطر، يُقترح إدراج “بند أفول” (Sunset Clause) يُلزم بمراجعة استمرارية آلية التوافق الموزون بكاملها لا فقط أوزانها بعد فترة انتقالية محددة (10–15 سنة)، تُقرر عندها الهيئة الوطنية نفسها، بنصاب موزون، ما إذا كانت البلاد قد بلغت من الاندماج الوطني ما يسمح بالانتقال إلى تمثيل عددي مباشر، أم أن الحاجة لا تزال قائمة لتمديد الآلية لفترة إضافية محددة.
خاتمة
إن جوهر ما يقترحه الركن الرابع ليس مجرد آلية تقنية لتوزيع المقاعد، بل تحوّل في فلسفة الشرعية ذاتها: من شرعية تُعلَن من الأعلى إلى شرعية تُبنى من الأسفل وتتصاعد تدريجياً وفق معايير موزونة تعكس الواقع السكاني والإنساني والتاريخي للسودان — على أن يبقى هذا التصعيد نفسه، وأوزانه، وآلياته، خاضعة لمراجعة دورية لا تتجمد عند لحظة تأسيسها.
وما لم تتبنَّ أي عملية سياسية سودانية مقبلة هذا المبدأ، بدل الاكتفاء بدعوات “توحيد الصف المدني” المجردة، فإنها ستُعيد إنتاج ذات دائرة الفشل التي عرفتها كل التحالفات السابقة: وثيقة توافق نخبوية تحمل توقيعات كثيرة ورصيداً شعبياً هزيلاً.



