مظفّر النواب… حين تصير القصيدة وطناً في زمن الانكسار …

أجمَعُ دَربي بِأناةٍ أُخفيهِ بِمحفَظتي.. ما دُمتُم لا تأتونَ لماذا الدَّربُ؟ لماذا مطرَقةُ البابِ؟ لماذا أنظُرُ في شقِّ الدَّهرِ.. إلى أزمِنَةٍ لم تتكوَّن بَعدُ؟
مصادفةً، وعلى أحد الأرصفة في ازقة وسط البلد ، وجدت ديوانًا قديمًا للشاعر مظفّر النواب، مخفيًا بين الكتب المرصوصة على الأرض. التقطته، وقرأت هذا النص، لكنني لم أقرأه هذه المرة بعيني؛ قرأته بصوت عالٍ. وفجأة عادت بي الكلمات إلى أيام الجامعة. تذكرت كيف كان مظفّر بيننا، وكيف كنا نحفظ نصوصه، لا لأننا كنا نريد أن نحفظ الشعر فحسب، وإنما لأننا كنا نحتاج إليها كي نحتمي بها من الكذب والتدليس، ومن ذلك الشعور القاسي بأن معنى الوطن الذي آمنا به كان يتكسر أمامنا ببطء.
ربما لا يحتاج مظفّر النواب إلى قصيدة تُعرّف به، بقدر ما تحتاج قصائده إلى زمن جديد يعيد اكتشاف الأسئلة التي خبأها فيها. فهذه الأبيات، في بساطتها الظاهرة، تحمل ذلك القلق الذي ظل يسكن تجربته كلها: انتظار الذين لا يأتون، والدرب الذي يفقد معناه حين يغيب الذين من أجلهم نمضي، والزمن الذي نحدّق في شقّه بحثًا عن أزمنة لم تتكوّن بعد. كأن الشاعر لم يكن يكتب عن الغياب وحده، بل عن وطن كامل يتأخر عن الوصول، وعن أجيال ظلت تمشي في الطريق وهي لا تعرف إن كانت تقترب من الحلم أم يبتعد عنها، فينكسر الحلم قبل أن تصل إليه.
وحين نعود اليوم إلى مظفّر النواب، لا نعود إلى شاعر من الماضي، ولا إلى صوت سياسي ارتبط بمرحلة وانتهت، وإنما نعود إلى سؤال ما زال مفتوحًا في وجداننا: ماذا يحدث للقصيدة حين ينكسر الوطن؟ وماذا يبقى من الشاعر حين تصبح القضايا التي حملها على كتفيه أكثر انكسارًا من أن تحتمل الكلمات؟ ربما لهذا يبدو النواب الآن أكثر حضورًا مما كان؛ لأن الزمن الذي ظننا أنه سيطوي قصيدته لم يستطع أن يطوي الأسئلة التي كتبها، وظلت تلك الأسئلة حاضرة، تنتظر من يعيد قراءتها.
أتذكر، ونحن في الجامعة، كيف كان معنى الوطن ينكسر أمامنا ببطء، وكيف كنا نبحث عن مكان نحتمي فيه من ذلك الانكسار، لأن أحلامنا كانت أكبر من الواقع الذي يحيط بنا. وكأن عبارة محمود درويش: (ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة ) .كانت تختصر شيئًا من المسافة التي بدأت تتسع بين ما نحلم به وما نعيشه. لم تكن لدينا يومها رفاهية تفسير كل شيء، ولم نكن نملك اللغة التي تسمح لنا بأن نقول بدقة ما نشعر به. كنا نعرف فقط أن شيئًا ما يتصدع حولنا، وأن الكلمات الكبيرة التي كنا نؤمن بها عن الوطن والحرية والكرامة لم تعد تشبه ما نراه ونعيشه. عندها كنا نلجأ إلى «وتريات ليلية»، لا باعتباره ديوانًا نقرأه، وإنما باعتباره مكانًا نختبئ فيه قليلًا من قسوة الواقع. كانت قصائد النواب بالنسبة إلينا أشبه بجدار أخير، نحتمي خلفه حين يصبح الخارج أكثر قسوة من قدرتنا على الاحتمال.
لم نكن نبحث في (وتريات ليلية ) عن الشعر بمعناه المدرسي، ولا عن جماليات اللغة وحدها، بل كنا نبحث عن شخص يقول ما نعجز عن قوله. كان مظفر يمنحنا تلك الجرأة التي نفتقدها، ويضع أمامنا الكلمات التي كنا نشعر بها دون أن نعرف كيف نصوغها. ولهذا لم تكن قصيدته بالنسبة إلى جيلنا مجرد قصيدة سياسية، كما قد يبدو لمن يقرأها الآن من خارج زمنها؛ كانت تجربة وجود، ومحاولة لاستعادة معنى الوطن من بين أنقاض اللغة الرسمية التي أفرغته من روحه.
وفي «وتريات ليلية» تحديدًا، يبلغ النواب واحدة من أكثر لحظاته الشعرية قسوة وصدقًا:
أنبيك عليًّا!
ما زلنا نتوضأ بالذل ونمسح بالخرقة حدَّ السيف
ما زلنا نتحجج بالبرد وحرِّ الصيف
ما زالت عورة عمرو بن العاص معاصرة
وتُقَبِّح وجهَ التاريخ ….
هنا لا يكتب النواب الهزيمة من خارجها، ولا يقف في موقع المتفرج الذي يصف سقوط الآخرين، وإنما يدخل إلى قلب الجرح ويكتب منه. الغضب عنده ليس انفعالًا عابرًا، وإنما موقف أخلاقي، والسخرية ليست زينة بل وسيلة لكشف ما تخفيه اللغة حين تتحول إلى قناع. كان يعرف أن القصيدة قد لا تغيّر العالم، لكنه كان يعرف أيضًا أن الصمت يترك العالم يغيّرك دون مقاومة.
ولهذا كانت قصيدته دائمًا في المسافة الفاصلة بين الوطن الذي نحلم به والوطن الذي نعيشه. لم يكن النواب شاعرًا يكتب للوطن بوصفه صورة مكتملة، بل كان يكتب عنه بوصفه سؤالًا مؤلمًا. الوطن عنده ليس خريطة ولا نشيدًا ولا خطابًا سياسيًا، وإنما ذلك الشيء الذي إذا انكسر في داخل الإنسان، لم يعد قادرًا على أن يجد نفسه في أي مكان آخر.
ولعل هذا هو سر بقاء (وتريات ليلية ) بعد كل هذه السنوات. فالديوان لم يعش لأن غضب النواب كان حادًا، وإنما لأنه كان صادقًا. والغضب الصادق لا يشيخ بسهولة. قد تتغير أسماء الحكام والأنظمة، وتتبدل الشعارات، وتتغير خرائط الخوف، لكن الإحساس بالخذلان حين يصبح الوطن أقل من الحلم يظل هو نفسه، كأن القصيدة كُتبت في زمنين متباعدين، لكنها تعرف الطريق بينهما.
ومن هنا يبدو (الساحتين ) امتدادًا آخر لذلك العالم الذي لا يفصل فيه مظفر النواب بين الإنسان وقضيته، ولا بين الخاص والعام، ولا بين القلب والشارع. فالشاعر عنده لا يستطيع أن يعيش حياته منفصلًا عن مصير المكان الذي ينتمي إليه، حتى حين يحاول أن يهرب من السياسة يجدها في ذاكرته، وفي الحب، وفي المنفى، وفي الجسد، وفي تفاصيل الحياة اليومية. وكأن الوطن عنده ليس موضوعًا يكتب عنه، وإنما قدرًا يكتب من داخله.
لكننا، ونحن نستعيده اليوم، نصل إلى السؤال الأصعب: هل انتهى زمن مظفّر النواب؟ هل انتهى زمن الشاعر الذي كان يستطيع أن يقف في مواجهة الخوف والأنظمة الاستبدادية، وأن يجعل من القصيدة مكانًا عامًا للغضب والحلم والاحتجاج؟ أم أن ما انتهى هو زمننا نحن، ذلك الزمن الذي كنا نصدّق فيه أن القصيدة تستطيع أن تحمي شيئًا من أرواحنا حين يعجز الواقع عن ذلك؟
ربما انتهى مظفّر بوصفه حضورًا جسديًا، وانتهى ذلك الزمن الذي كان صوته يملأ القاعات والأسماع، لكن زمنه الشعري لم ينتهِ، لأن السؤال الذي حمله لم يجد إجابته بعد. نحن لا نحتاج اليوم إلى تقليد النواب، ولا إلى استعادة نبرته كما هي؛ فهذا سيكون ظلمًا له وللشعر معًا. ما نحتاجه هو أن نفهم لماذا كان صوته ضروريًا، ولماذا كنا نحن، في سنوات الجامعة الأولى، نلجأ إلى «وتريات ليلية» كلما شعرنا أن الوطن ينكسر أمامنا ببطء.
فربما لم نكن نقرأ النواب آنذاك لأننا كنا نحب الشعر فقط، وإنما لأننا كنا نبحث عن وطن آخر داخل القصيدة. وطن لا تستطيع السلطة أن تصادره، ولا الهزيمة أن تحتله، ولا الخوف أن يفرض عليه الصمت. كانت القصيدة، في لحظة ما، آخر مكان يمكن أن نكون فيه نحن، دون أن نضطر إلى الاعتذار عن أحلامنا.
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس: هل انتهى زمن مظفّر النواب؟ بل: هل انتهى زمن القضية التي جعلت مظفّر ضرورة؟
إذا كانت القضية الوطنية قد تحولت إلى شعارات، وإذا أصبحت الوطنية مجرد كلمة تُرفع في الخطب ثم تُترك في الشوارع فريسةً للتقسيم، وإذا صار الإنسان نفسه أقل قيمة من اللافتة التي يُطلب منه أن يحملها، فإننا لم نغادر زمن النواب، بل دخلنا إليه من باب آخر. وإذا كان الانكسار قد أصبح أكثر تعقيدًا، فإن حاجتنا إلى شاعر يقول الحقيقة دون أن يخاف من قسوتها لم تصبح أقل، وإنما أصبحت أكثر إلحاحًا.
ربما لهذا نعود إلى تلك الأبيات اليوم، إلى ذلك الدرب الذي يجمعه الشاعر بأناة ويخفيه في محفظته، وإلى سؤاله الموجع: لماذا الدرب إذا كان الذين ننتظرهم لا يأتون؟ ثم ينظر في شق الدهر إلى أزمنة لم تتكوّن بعد. كأن النواب كان يعرف، قبل أن نعرف نحن، أن القضية ليست فقط في الذين غابوا، وإنما في الزمن الذي لم يأتِ بعد.
وهنا تكمن مفارقة مظفّر النواب: أنه شاعر زمن انكسر، لكنه ظل يكتب باتجاه زمن لم يولد. ولذلك فإن القصيدة التي تبدو في ظاهرها احتجاجًا على حاضر مهزوم، تحمل في أعماقها انتظارًا لمستقبل آخر. وربما كان هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلنا نحتمي بها في الجامعة؛ لأنها، وسط كل ذلك الانكسار، كانت تقول لنا إن الطريق لم ينتهِ بعد، وإن الزمن الذي نبحث عنه ربما لم يتكوّن بعد.
مظفّر النواب لم يكن مجرد شاعر للقضية الوطنية، بل كان أحد الذين جعلوا من الشعر نفسه قضية. وحين تصبح القصيدة قادرة على أن تحفظ فينا شيئًا من الوطن الذي يتساقط خارجها، فإنها لا تموت بموت صاحبها. تبقى، لا لأنها انتصرت، وإنما لأنها رفضت أن تعتبر الهزيمة قدرًا نهائيًا.
وربما لهذا، بعد كل هذه السنوات، لا نقرأ مظفّر النواب لنستعيد الماضي، وإنما لنختبر حاضرنا. نفتح (وتريات ليلية ) فنكتشف أن بعض الأسئلة لم تتغير، وأن بعض الجراح ما زالت في مكانها، وأن الطريق الذي جمعه بأناة وأخفاه في محفظته لا يزال ممتدًا أمامنا. وما زلنا، مثلما كنا في الجامعة، نحتاج أحيانًا إلى قصيدة نحتمي بها حين ينكسر معنى الوطن، وإلى شاعر يذكّرنا بأن الذين لم يأتوا بعد، وأن الأزمنة التي لم تتكوّن بعد، ليست بالضرورة نهاية الطريق.
لعل مظفّر النواب لم يعد بيننا، لكن القصيدة التي تركها لم تقل كلمتها الأخيرة بعد .
عبدالعزيز ابوعاقلة اغسطس 2026



