سُكَّر كنانة… حين تصبح الحلاوة مُرّة

د. عبدالرحيم عبد الحليم محمد
ربما لا يعرف الذين ضبطوا زيتًا سودانيًا وسكر «كنانة» في مصنع بالشقيقة مصر أن للسكر عند السودانيين تاريخًا آخر؛ تاريخًا أكثر حلاوة، وأبعد كثيرًا من الجوالات والمخازن والحدود.
فهم ربما لم يسمعوا عبد الكريم الكابلي وهو يغني:
سكر… سكر… سكر
ولم يسمعوا تلك الصورة السودانية الآسرة:
الفارس أحلام البنات
شوف عيني سكر نبات
ولا:
شوف عينيا سكر…
وحات عينيا انضر
ولا تلك العبارة التي اختصرت الجمال كله:
قالوا قطعة سكر!
فالسكر في الوجدان السوداني لم يكن مجرد مادة بيضاء تُعبأ في الجوالات، بل كان مفردة من مفردات الجمال والعشق: سكر العيون، وسكر المحبوب، وسكر نبات.
ولو عرف المهرِّبون كل هذا السكر المتناثر في غنائنا، لربما تركوا الجوالات في حالها وهرَّبوا الأغنيات! ولو جمعوا ما نثره شعراؤنا ومغنونا من سكر في فضاء الحب، فلربما تحول مجرى النيل نفسه إلى عسل نباتي، وربما وجدنا أخيرًا علاجًا لذلك المرض المزمن الذي أنهك بلادنا: سُكَّري السياسة وأمراض قلب الوطن.
لكن السخرية تتراجع قليلًا حين نقرأ الاسم المكتوب على الجوال:
كنانة.
فكنانة لم تكن عندنا مجرد مصنع ينتج السكر. كانت، في أحد أجمل معانيها، نموذجًا للتعاون والاستثمار الزراعي العربي في السودان؛ حلمًا يقول إن الأرض والماء والخبرة ورأس المال العربي يمكن أن تلتقي جميعًا، فتجعل من خيرات السودان بابًا للتنمية والتكامل، لا بابًا للنهب والتهريب.
ولهذا فإن تهريب سكر كنانة ليس، في رمزيته، تهريبًا للسكر وحده.
إنه تهريب لتلك المعاني أيضًا.
تهريب لمعنى الإنتاج، ولمعنى التعاون، ولمعنى أن تتكامل بلاد العرب في وضح النهار، بدل أن تتسلل خيرات بعضها إلى بعض في عتمة المخازن والحدود.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين ينتهي هذا السكر مهرَّبًا إلى مصر؛ البلد الذي تحتضن عاصمته جامعة الدول العربية. كأن حلمًا من أحلام التعاون العربي يعبر الحدود هذه المرة، لا في اتفاقية اقتصادية ولا في مشروع تنموي، بل مختبئًا في جوال سكر!
ولا أقول ذلك استخفافًا بالعلاقة التاريخية العميقة بين السودان ومصر، ولا انتقاصًا منها. على العكس؛ لأن هذه العلاقة عميقة يؤلمنا العبث بها.
إنها أقدم من مهرِّب، وأكبر من حكومة، وأبقى من أزمة عابرة. علاقة طهّرها النيل منذ الأزل من أدران كثيرة علقت بها السياسة؛ نهر واحد يمضي بين الشعبين، لا يعرف نقاط التفتيش ولا يطلب تأشيرة عبور، ويحمل على ضفتيه ذاكرةً طويلة من القرابة والثقافة والتجارة والفن والحياة.
بل إنني أخشى، إذا استمر ذلك النهج التخريبي، ألا يقف الأمر عند جوالات السكر والزيت.
فقد تُغلق الحدود يومًا حتى أمام حركة العشاق العابرين!
وهنا تصبح المسألة أخطر بكثير.
فماذا نفعل ببصات النقل البري التي ظلت تحمل بين البلدين، إلى جانب الحقائب والبضائع، الأشواق والزيارات واللقاءات والوداعات؟
وماذا نفعل بخطوط الربط الكهربائي؟
وماذا نفعل بعلاقات المصاهرة التي لا تعترف أصلًا بكثير من الحدود التي ترسمها السياسة؟
فالسياسي يستطيع أن يغلق معبرًا بقرار، لكن كيف يغلق الطريق أمام قلب في الخرطوم له حبيب في القاهرة، أو أم هنا لها ابنة هناك، أو أسرة امتدت جذورها على ضفتي النيل؟
وحتى العشاق أنفسهم سيدخلون في أزمة.
وقد وجدتني أقول لحلو العيون:
كلّمني يا حلو العيون
حيّرني صمتك يا حنون
أرّقني، سهّرني الليالي
غرّقني في بحر الظنون
ثم أسأل:
وين العبارات الجميلة
ورنّة الحب والجمال؟
وين مشاوير العصاري
والخطى الفوق الرمال؟
ويصل النيل نفسه إلى ساحة العشق:
ومنظر النيل في الغروب
ينادي ليك يقول تعال
لكن حلو العيون تمضي، ولا ترد السلام، وتترك العاشق في وسط الزحام!
وعندها لا يبقى أمامه إلا أن يعلن استسلامه:
كلّمني، خُت اللوم عليّ
أنا برضى بالكائن يكون
فالأمر، في النهاية:
بفرق كتير وبتحسب كل يوم يمر
بفرق كتير طعم الحلو لو يبقى مُر
وهذه هي المسألة كلها:
بفرق كتير طعم الحلو لو يبقى مُر.
فالسكر حلو، والحب حلو، والنيل حلو، والجيرة حلوة، والمصاهرة حلوة، ولقاء الأهل بعد طول غياب حلو.
لكن العبث بكل ذلك يستطيع أن يجعل الحلو نفسه مُرًّا.
واستمرار ذلك النهج التخريبي قد يغلق الحدود من حركة العشاق العابرين، وتتوقف بصات النقل البري، وتنقطع خطوط الربط الكهربائي، وتتحجر مسالك المصاهرة.
وعندها لن تكون المشكلة سياسية ولا اقتصادية فحسب.
ستدخل حتى السعرات الحرارية في الأزمة!
فالعاشق السعيد يأكل.
والعاشق الحزين قد يفقد شهيته.
أما العاشق الحائر، فإنه قد يفتح الثلاجة في منتصف الليل، وينظر طويلًا إلى ما فيها، ثم يغلقها؛ لأنه لم يكن يبحث عن الطعام أصلًا.
كان يبحث عن رسالة.
وهكذا، إذا استمر العبث بالسكر والحب والحدود والنيل، فلن تقوم قائمة للسعرات الحرارية في قلوب العاشقين!
وقد يقول قائل: وما شأن السعرات الحرارية بالقلوب؟
ونقول: تلك حسابات الأطباء، أما للعاشقين حساب آخر؛ فكلمة واحدة قد تمنح القلب من الطاقة ما لا تمنحه مائدة كاملة، وصمت واحد قد يحرق فيه ما تعجز عن حسابه أجهزة القياس!
ولهذا فهذه الكلمات ليست صيحة خصومة.
إنها تنهدات حزن أمام تلك الجرأة على تدمير علاقة ظل النيل، منذ الأزل، يغسلها من الأدران.
والمشكلة إذن ليست في جوال سكر عبر الحدود فحسب، وإنما في وطن جريح تُستنزف خيراته، وفي رمز من رموز التعاون الزراعي العربي يُنتزع من معناه الكبير ليصبح مادة في خبر عن التهريب.
لقد عرف السودانيون السكر حبًا وغناءً:
سكر… وسكر نبات… وقطعة سكر.
وعرفوه أرضًا ومصنعًا وإنتاجًا في كنانة.
وعرفوه أيضًا في العيون وفي مشاوير العصاري، وفي الخطى فوق الرمال، وفي النيل ساعة الغروب حين ينادي العاشقين:
تعال.
أما الذين يعبثون بخيرات الوطن فقد أضافوا إلى قاموسنا نوعًا جديدًا من السكر، لا حلاوة فيه:
سكرٌ يدمّر خلايا الطُّعم في جسد الوطن الجريح.
ويبقى النيل شاهدًا، يمضي بين السودان ومصر كما مضى منذ الأزل، كأنه يذكّرنا بأن ما جمعه الماء والتاريخ أكبر من أن يفرقه مهرِّبو السكر.
ولذلك دعوا بصات الناس تمضي.
ودعوا الكهرباء تعبر.
ودعوا المصاهرة تصل ما قطعته السياسة.
ودعوا العشاق يعبرون أيضًا؛ فهؤلاء لا شأن لهم بالجمارك ولا بالتهريب، وكل بضاعتهم قلب ورسالة وموعد عند الغروب.
أما سكر الكابلي، وسكر العيون، وسكر كنانة،
فدعوه لنا… فما عاد في أيامنا كثيرٌ من الحلو.
ولا تجعلوا طعم الحلو يبقى مُرًّا.
فنحن بالكاد نحافظ على ما بقي لنا من السكر…
وعلى ما بقي في قلوب العاشقين من سعرات حرارية!



