أخبار السودان

بين حميمية «الانتماء» وعذابات «الغَصْب»

معاوية يس

أَغْبِطُ هؤلاء الذين لا ينامون الليل، اجتماعات لا تنقطع، اتصالات لا تتوقف، بحثاً عن مزيد من المكاسب، تضخيماً للثروات، تصفية للخصومات والعداوات، وضعاً لاستراتيجيات مواجهة أعداء الخارج، وعرقلة مطامح خصوم الداخل. وكالعادة فإن هؤلاء الساهرين يصلون ليلهم بالنهار التالي لتبدأ مسيرة ليل جديد من الاجتماعات والمؤامرات والخطط.

أغبطهم لأني أنام مبكراً، ولا أجد ما يصرفني عن النوم من تأنيب ضمير، أو إحساس بروح بريء تطاردني ولا أموال ائتمنت عليها من قبل أبناء شعبي فحولتها إلى رصيدي الخاص. أغبطهم حقاً. من أين لهم تلك القوة الخارقة على القفز من مكان إلى مكان في عتمة الليل البهيم؟ إذ إن اجتماعاتهم تتعدد وتتطاول وتتقاصر، وهم الذين يملكون تثبيت بنود جداول أعمالها أو الحذف منها. ولا أعرف كيف تقوى قلوبهم على إبداء ذلك العبوس، وتلك الجدية والصرامة على مدى ساعات، بل كيف يمدون حبال الصبر على ثرثرة رفاقهم، ويبتلعون ذلك القدر الهائل من عبارات التملق، والوجوه التي ترتدي كل مظاهر النفاق، فأنا لا أطيق الذهاب إلى أكثر من مكان واحد في الليل، وإذا صادفني وجه لم أحببه أو حديث لم يعجبني، فإنني أختلق لنفسي الأعذار للعودة إلى داري، مؤثراً راحة ضميري، وأحلام منامي البسيطة والمستحيلة في آن معاً. أغبطهم حقاً أولئك الذين لا يَطْرِفُ لهم جفن حين يُطلب منهم في تلك الاجتماعات تقرير مصائر أشخاص. موافق على التخلص من فلان خارج حدود البلاد دون إعلان المسؤولية عن عملية قتله. لا اعتراض على اتجاه بقية المجموعة على إحالة هؤلاء الضباط العسكريين إلى التقاعد، وفصل أولئك الموظفين لدواعي "المصلحة العامة". إنني أتقلّب في مضجعي طوال الليل حين أفكر بدمعة طفلي الذي حرمته قطعة حلوى أو مواصلة اللعب حتى ينام مبكراً ليستيقظ في مواعيد درسه. وترتفع درجة حرارة جسمي حين أتذكر أني نسيت تلبية طلب خالة مريضة، أو جارة لأمي محتاجة لغوث عاجل.

أعجب منهم وأستغرب سر قوتهم الخارقة، لا يحطون رحالهم من سفر إلا ليتهيّأوا لسفر جديد. لا ينامون سوى بضع ساعات نوماً متقطعاً. لا يرتاحون من محادثة الآخرين على الهاتف، على رغم أن كثيرين منهم يتظاهرون بحكم المناصب والمسؤولية بأنهم لا يحملون هواتف متنقلة ويتركون ذلك لأعوانهم. إنهم لا يؤجّلون مكالمة الليل إلى الغد، وقتما عنّ لهم شيء أو تذكروا شيئاً يعمدون إلى الاتصال بالآخرين. ليس ثمة شك أنهم منشغلون بتدبير مصالح العباد، ورعاية الشعب، لا يطلبون جزاءً ولا شكوراً، لأن الجانب الأكبر من محادثاتهم واجتماعاتهم وتنقلاتهم مكرَّسٌ لاستراتيجية البقاء والخلود. أَحْمِدُ ربي أن قوتي يمكن أن تكون خارقة في المجالات التي حباني فيها الله مواهبه، وأحمده أني أعرف جيداً أن كل شيء في الدنيا فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وأحمده أني على رغم صغر ومحدودية مسؤوليتي تجاه عائلتي الصغيرة وأسرتي الممتدة، فإني أئن تحت وطأة الشعور بِعِظمِها ووطأتها، وأني لا يشغلني سوى تدبير قوت عيالي، وأعتبر نفسي، والحمد لله، فاشلاً كبيراً في تدبير المؤامرات. هل تعجب وتستغرب من أشخاص وهميين؟ هل يوجد أمثال أولئك في هذه الحياة؟ بكل أسف إنهم موجودون، خصوصاً في بلاد السودان، لا همّ ينغّص عليهم حياتهم سوى الهرولة وراء مزيد من الثروات الشخصية، وتضخيم مكاسب القبيلة والمحاسيب، ولا يؤنبهم ضمير حين يتعلّق الأمر بإزهاق روح أو أرواح، وتجويع مدن وقوميات، وإفساد حياة المجتمعات بتشجيع التسلّح، وإذكاء التنافس، وإشاعة البغضاء بين أبناء العرقية الواحدة، وهدم الحياة الشريفة لعائلات ظلت تتوارث مهناً كالتجارة والتصدير والاستيراد أباً عن جد، لتنهدّ الفضيلة في المجتمع، وتغيب القيم، وينكسر رجال،، ويتحول الشعب بأكمله إلى ملّة «شحاتين» عند إشارات المرور ومنعطفات الطرقات وأمام أبواب منازل آباء وأبناء أولئك الساهرين المنشغلين باجتماعاتهم وسهراتهم التي تفوح منها روائح التآمر والخبث والدهاء واستراتيجيات تخليد البقاء. هؤلاء عرفناهم في بلادنا، ولم يعد صعباً علينا أن نعرفهم بسيماهم، فهم لا يَصْدُقون في ما يقولون، ولا يقصدون إلا عكس ما يبدو عنهم، ولا يعطون إلا إذا ضمنوا أن عطاياهم لأنفسهم تفوق ما يجودون به على الآخرين أضعافاً مضاعفة.

لم يعد يعسر علينا أن نعرفهم من بين مجايلينا ومن أبناء أجيالهم التي ربوها على تلك الأخلاق، وعلموها كيف تخطف قطعة اللحم من منقار الصقر المحلِّق في سمائه. إنهم يظهرون بالملامح ذاتها، والتقاطيع نفسها. يتحدثون بالطريقة نفسها، الكلمات… العبارات… الدعوات… بل هم «مبرمجون» على أسلوب التفكير نفسه، فكلما حاولت تأنيب أحدهم على صنائعهم الشنيعة قفز من مكانه ليلقمك المنطق المأثور: «لأن السودان يتعرض لاســـتهداف خارجي، وهجمة شرسة من قوى الاستعمار والاستكبار، ولأننا عاهدنا الله أن نموت في سبيل دينه والمــــؤمنين به إلى أن تتطهر البلاد من دَنَس التمرد».

إحساس عجيب بـ «الغبطة» التي تخلو من الحسد. فهؤلاء تتراكم بين أيديهم الأطايب والقصور المشيَّدة والأبراج الشاهقة، وتنتفخ خزائنهم بالمال، ويذهب أولادهم وبناتهم إلى أفضل جامعات العالم، وترتدي نساؤهم «مفتخر الثياب».

أما من أنتمي إليهم وأتحدث عنهم فإنهم تتراكم في دواخلهم الغبينة، وتتمدد المرارات، ويكتفون بما يستظلون به من قيظ الصيف وزمهرير الشتاء، ويرسلون أبناءهم وبناتهم إلى مدارس وجامعات لا توفّر لهم شيئاً سوى ظل يستجيرون به قبل العودة إلى منازلهم. لكنهم سعداء، إذ لا تمتلئ صفحات كتابهم يوم الموقف العظيم بذلك الكم الهائل من الذنوب والآثام والمعاصي. ذلك هو الفارق بين سودان عرفناه ونعرفه ونفخر بالانتماء إليه، وبين سودان يعيش من اغتصبوه على وهم أنهم سيكتب لهم الخلود ليواصلوا استنساخ آثامهم وكبائرهم إلى ما لا نهاية.

* صحافي من أسرة «الحياة».

[email protected]

تعليق واحد

  1. غداً لناظره قريب
    سنأتي بهم فرداً فردا وسيحاسبون على ما إغترفوه
    ولن ينجوا من العقاب ولو تعلقوا بأستار الكعبة
    لن ينجوا وإن إضطررنا ونحن على فراش الموت لربط عفونا عن أبنائنا بعهد يلتزمون فيه بالثأر
    لن ننسى ولن نغفر
    مهما كنزوا من أموال يظل الفرق بيننا وبينهم اليوم الذي نعيشه فقط

  2. انا سودانى وحبيت هذة الدولة حتى النخاع ….من نمولى لحلفا …… خرجت فى كل الاعياد مع جميع اصحابى فى الصغر ….. دخلنا فى كل بيت فى حينا ايام الاعياد …… رمضان … اعياد الميلاد ….. الفطرتين المسيحية والاسلامية ….. المولد ….الخ ……. كان فى كل بيت دوما حلوة …… ولا يهم كيف يصلون ولاى دين يتبعون …… حتى اتي هؤلاء من حيث لا ندرى ……وليس من الانقاذ فقط ….. بل قبل ذلك بكثير …… ايام قررت جزء من مدارس الشمال تغير اسماءنا …… نحن اصحاب هذة الدولة …… لاسماء من الجزيرة العربية …….اسماء العرب من قبل الاسلام بالاف السنين…….. وبالحد الادنى … يجب ان يكون اسمك فرنجي ……. هكذا بداء التغير فى حياتنا السودانية السمحة ……. ودخل الدين فى منعطف اخر …… واصبحنا اغراب من بعضنا باسم الدين والدين براة…….. بل صرت انا المسيحى فى لمحة بصر حطب النار بنسبة لاقرانى فى يوم الحساب ……. وكنت اسأل فى بلاهة شديدة ….من ذهب الى السماء من كل الاديان وعاد بتاكيد عمن سيدخل النار ويكون حطبها ؟ ومن سيدخل الجنة وكيف سيدخلون.؟……. هذة البلاهة كلفتنى مستقبلى …… وقد تدحرجت كورة التقسيم بننا باسرع مما توقعنا……… وتم طردى من موسى الضو الثانوية بواسطة تقارير من كانوا اصحابى بالامس ….. بل كنا نتسامر ونضرب ( البوش ) سويا …… نضحك سويا فى ركننا النصف العسكرى….. فقد كنت القائد الرابع كديت فى المدرسة…….و نحضنوا انفسنا فى اوقات الرياضة سويا عند تسجيل كل هدف …… وعندما اشرقت شمس اليوم الجديد …… انشطرنا اكثر وصرنا اعداء ….. بعد عن تم تزيف هويتنا……. واغلقنا ابواب التواصل بيننا ……وشطرنا الاسم الذى كان يجمعنا …… فى لحظة تصفيقنا لشيوخ والكهنة وسلاطين الزيف ……. انشطر الاسم الذى كان ذكرة يبعث الرهبة فينا…………. السودان ……… وسقطنا فى المجهول …… وصعد شيوخ الزيف الى الاعلى …… يضحكون من سذاجتنا بعدما صرنا دميات فى مسرح العرائس …… يحركوننا كما يشاءؤن ……. وحلمنا الوحيد ان نصعد يوما الى تلك الجنات …… يصير فيها بعضنا احطاب النار …… ويستمتع الاخرين بما لذة وطاب من حور العين ….وما زال سؤالى بلا اجابة………. فهنئا لنا …… ودمتم

  3. لمتين يلازمك في هواك مر الشجن !!!! الغبينة ,,, الغبينة الفي قلوبنا ولدت لدينا الشعور بالانتقام ممن أسرف في الحقارة وقلة الأدب والظلم في حقنا ,,, وانا منهم لمنتقمون !!! وبعد داك يمكن ,,,,, نقدر نشوف النوم !!! أسي مافي نوم يا أستاذ معاوية ,,,, أبدآ مافي !!!! القصة طالت ومسخت ,,, وهزلت جد !!! ومن وين وكيف يجينا النوم ؟؟؟ كل يوم جديد يجي علينا و هؤلاء اللصوص متربعون على عرش بلادي ,,, معناهو ,, ألم جديد ,,, مأساة جديدة ,, جرح جديد ,,, نزيف جديد ,,, وجع جديد ,,, بيت مخروب جديد ,,, بنت محطمة جديدة ,,,, ابن زنا جديد ,,, متسول جديد ,,, هروب من المنزل جديد ,,, شخص منتحر جديد ,,, أخ أو صديق أو قريب أو حبيب مهاجر الى المجهول ,,,, ضائع جديد ,,, منهار جديد ,, محروم جديد ,,, كل يوم يصبح علي ,, وهؤلاء الأوغاد لا زالو مغتصبين وطني وأرضي وحريتي وكرامتي ,,,, أشعر بالخجل من نفسي وأظل أحتقرها وسأظل أحتقرها حتى تشرق شمس الحرية في بلادي ونستردها من أيدي المغتصبين المنافقين الكاذبين ,, وبالقوة المفرطة كمان ,,,, لأنه لا حياة لنا مع هؤلاء ,,, ولا حياة لهم معنا ,,,,, ولا ,ولا,, ولا ,,, ولانامت أعين الجبناء !!!!

  4. الاستاذ معاوية يس ليس لدى الكثير سواء ان اهدى هذه القصيدة لك وللعاملين بصحيفة الراكوبة العظيمة وكل الشرفاء االمهجرين داخل وخارج السودان وهذا هوا السودان اللزى نعرفة . دمعة حذن انا الحبيت وعن حبك ابعدنى النظام وما اظنى تانى اعشق غيرك مهما كان . انا المالقيت ذى جمالك وطيبة ارضك يا اعذ مكان . ومنو الزى ناسك فى اميريكا يفتحو بابهم للضيفان .
    وفى محراب حبك اصبحت انا شاعر وفنان .
    قطعت اوتار عودى فى نظمك ياظبى الحسان .
    لآنك فيك الحضارة والثقافة والفن تتمثل فى امدرمان .
    وفى الخرطوم مقرن النيلين ابدع فى تلاقيهم الحي المنان .
    وجزيرة توتى واحة صيفية تغنى بيها كل مبدع وفنان .
    ترتاح فى ظل نخيلها وتمسح دمعة كل حزنان .
    وجامعة الخرطوم منارة للعلم نفخر بيها فى كل مكان وزمان .
    وفى بحرى ممبع الشعراء ادريس جماع واخوانة ترجمو ا مشاعر الانسان .
    وفى شمالك كررى ساحة للفرسان .
    وفى جنوبك نحن اخوان اخوان .
    وفى شرقك الحور الحسان .
    وفى غربك حفظة القران .
    ومتى يجود علي انا بوصلك الزمان .
    اشرب من نيلك انا وانام فى حضنك الدافئ واتلحف شمسك يا بلدى السودان .
    ابو امنة

  5. و الله يا [مشوت Machut] قرأت ما كتبه قلمك فملأني شعور بالبكاء ، آه يا حبيب ماذا نفعل مع العقول المظلمة ؟ لن نسكت و سنعمل لتمزيق شبكات الزيف المنسوجة باسم القداسة ، هيا لنكافح لنصنع غدا مليئا بالمحبة و الضياء ، ضياء الحقيقة ، و لنردد مع شاعرنا :
    أي المشارق لم نغازل شمسها … و نزيح عن زيف الغموض خمارها
    أي الأناشيد السماوية لم نشدد …. لأعراس الجديد بشاشة أوتارها

  6. صبرا أخي مشوتحديثك يُقطِّع الأكباد ولكنه بمثابة شمعة في بحر الظلمات تنبيء بلقاء الإخوة والتئام الشمل ودعك من الضباع فسوف تموت مخنوقة بعظام الجيَّف.

  7. الاستاذ معاويه يسن لك التحيه والاكبار ابدعت في الوصف والكتابة قال تعالي وتلك الايام نداولهل بين الناس يعني دوام الحال من المحال. يعني مهما عملوا وسهروا سوف يذهبون غير ماسوف عليهم لكن نحن لانريد الذهاب فقط بل المحاسبة والحساب ولد كما يقال والا ماغزيت يازيد الحساب الحساب لابد منه حتي يكونوا عبرة لغيرهم الان يحاولون اشراك القوي السياسية الفاعلة مثل حزب الامة القوي لكن الامام فطن لملعوبهم منذ انفصال الجنوب لم يستطيعوا تشكيل حكومة حتي الان المؤتمر الوطني الان يشعر بالضعف والوهن والا ماكان يجري ويلهت وراء مشاركة الاحزاب السياسية الاخري نحن خبرنا المؤتمر الوطني جيدا الان فقدوا البوصلة تماما يريدون بقائهم لفترة الانتخابات القادمة فقط . صدقي يااستاذ معاوية انهم في تلك الانتخابات سينسحبون ويتركون الساحة للاحزاب ويهربون بجلدهم لانهم جبناء جبناء لكن هيهات هيات اين المفر كلا لا وزر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..