دكتور عبد الله حمدوك.. بارقة الأمل واستحقاق القيادة

بقلم: إسماعيل أحمد محمد (فركش)
حينما اعتلى الدكتور عبد الله حمدوك سدة رئاسة الوزراء في الحكومة الانتقالية، التي أعقبت ثورة ديسمبر المجيدة لعام 2018، لم يكن ذلك مجرد تعيين سياسي، بل كان تجسيداً لتوافق وطني عريض جمع بين المكون العسكري وتحالف القوى المدنية (قوى الحرية والتغيير)، مسنوداً بالتفاف شعبي غير مسبوق. لقد وضعت الجماهير السودانية ثقتها المطلقة في شخص الدكتور حمدوك، ورأت فيه القائد المؤهل العابر بالبلاد نحو بر الأمان.
لم يخيب حمدوك هذا الأمل؛ إذ سارعت حكومته إلى تفكيك عُقد الأزمات المزمنة التي أورثها نظام “الإخوان المسلمين” للدولة السودانية. وفي مقدمة تلك الإنجازات، نجحت الحكومة الانتقالية الشرعية في رفع اسم السودان من القائمة السوداء للدول الراعية للإرهاب، وإعادة دمج البلاد في منظومة الاقتصاد العالمي عبر معالجة ملف الديون السيادية ورفع العقوبات الاقتصادية الخانقة. وبفضل تلك الدبلوماسية الرصينة، عاد علم السودان ليرفرف شامخاً في المحافل الدولية، مستعيداً مكانته الطبيعية وسط المجتمع الدولي.
وعلى الصعيد الداخلي، تبنى حمدوك حزمة من الإصلاحات الهيكلية والجذرية لإنقاذ الاقتصاد الوطني، أبرزها برنامج “سلعتي”، الذي أثمر استقراراً ملحوظاً في سعر الصرف بالسوق الموازي وتوازناً في أسعار السلع الأساسية. ولم تقتصر الرؤية على المسكنات الآنية، بل تم إبرام اتفاقيات استراتيجية مع كبرى الشركات الأجنبية لإعادة بناء قطاعات حيوية كالكهرباء والسكك الحديدية والتنمية المستدامة.
غير أن هذا العبور الآمن نحو دولة الديمقراطية والمؤسسات الحديثة أثار حفيظة وتوجس عناصر النظام البائد. فبمجرد أن استشعروا قرب نجاح التجربة، سارعوا إلى تدبير الانقلاب على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021 بقيادة رئيس مجلس السيادة ونائبه، وبدعم من قوى سياسية انتهازية انضوت تحت ما سُمي بـ”تحالف القوى الديمقراطية”، ممثلة في حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وبعض الوجوه المعروفة.
تلى ذلك الانقلاب حملة اعتقالات تعسفية طالت رئيس الوزراء الدكتور حمدوك، حيث وُضع قيد الإقامة الجبرية، كما جرى اعتقال أعضاء مجلس السيادة المدنيين، الأستاذين محمد الفكي سليمان ومحمد التعايشي، وعدد من وزراء الحكومة الانتقالية وقادة الحرية والتغيير، وفي مقدمتهم الأستاذ ياسر عرمان.
أمام هذا الارتداد عن مسار الثورة، انتفضت الجماهير السودانية مجدداً في جسارة، واجهت بها آلة القمع المفرط من الأجهزة الأمنية والشرطية، وقدمت قوافل من الشهداء في مواكب هادرة لم تتوقف، حتى أُبرم الاتفاق السياسي بين حمدوك والبرهان في نوفمبر 2021. ورغم أن حمدوك بادر فور عودته بإلغاء كافة القرارات والانقلابية، إلا أن الحراك الشعبي ظل متمسكاً بمطالبه كاملة، مما دفع بالدكتور حمدوك لإعلان استقالته التاريخية، راداً الأمانة للشعب السوداني الذي وثق به.
في أعقاب ذلك، قادت قوى الحرية والتغيير حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لإنهاء الأزمة، عبر لقاءات إقليمية ودولية مع الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، ودول الجوار. وتوجت هذه الجهود بصياغة “الاتفاق الإطاري” بين القوى المدنية والمكون العسكري، والذي كان يمثل الترياق الحقيقي والحل الجذري لمعضلات الدولة السودانية. ومع اقتراب ساعة التوقيع النهائي، كثفت الحركة الإسلامية تحركاتها التخريبية؛ فعقدت الندوات التعبوية وحرضت قواعدها على إفشال الاتفاق بكل الوسائل، مستغلة في ذلك تغلغل كوادرها داخل المؤسسة العسكرية.
ونتيجة لهذا الشحن والتحريض، اندلعت في صباح الخامس عشر من أبريل 2023 الحرب الكارثية التي لطالما حذرت منها قوى الحرية والتغيير. واليوم، والحرب تقترب من عامها الرابع، يظل الشعب السوداني هو الضحية الكبرى لهذه المغامرة العبثية التي أشعلها الإسلاميون؛ حرب لئيمة دمرت مقدرات الدولة، وانتهكت الأعراض، وقضت على الأخضر واليابس.
منذ الرصاصة الأولى، لم تنكفئ القوى المدنية الرافضة للحرب، بل واصلت السعي الدؤوب لوقف العدائيات عبر منابر تفاوضية شملت جدة والمنامة وجنيف. واليوم، بات المجتمع الدولي على يقين تام بأن هذه الحرب لن تجد حلاً عسكرياً، بل عبر طاولة المفاوضات؛ وهو ما تجسد في تفعيل دور “اللجنة الرباعية” (أمريكا، السعودية، الإمارات، ومصر) الرامي لوقف الحرب، إحلال السلام، ودعم التحول الديمقراطي.
إن الدكتور عبد الله حمدوك يظل، بلا منازع، الرجل المؤهل والأنسب لقيادة مرحلة ما بعد الحرب، والمساهمة في بناء دولة سودانية حديثة على أسس جديدة تستوعب طموحات هذا الشعب العظيم وتضحياته. إن تتبع مسيرته إبان الفترة الانتقالية يؤكد أنه لو تم تفادي ذلك الانقلاب الغاشم، لما انزلقت البلاد إلى مستنقع هذه الحرب العبثية التي أنهكت المواطن.
إن المأمل اليوم، قبل الغد، هو أن تضع الحرب أوزارها، لينتهي معها نزيف الدم، مرارات النزوح، الجوع، الانتهاكات والدمار.. نعم للسلام، ولا لاستمرار الحرب.




حمدوك فشل في ظروف افضل من الظرف الحالي
من الاخفاق تجريب المجرب و الشعب السوداني ليس انبوب احتبارات