يبكي الطباشير وتنتحب السبورة… حينما يجوع من يعلّم الناس كيف يحلمون

حسن عبد الرضي
يروج على وسائط التواصل الاجتماعي حكاية معلمٍ امتهن “العتالة”، وليس في المهن عيب، وإنما العيب فينا. وأرجو أن تكون الحكاية وهمًا، لأن معلّمًا يمتهن حرفتين شيءٌ مرهق. وتبدأ الحكاية: أن في سوق شندي… حيث تعلو أصوات الباعة، وتختلط رائحة العرق بغبار الحياة القاسية، يقف رجلٌ يحمل على كتفيه ما لا يُحتمل. يدفع عربةً مثقلةً بالبضائع، ينحني ظهره، وتعلو أنفاسه… لا لأنه لم يتعلم، ولا لأنه عاطلٌ عن الفكر، بل لأنه… معلّم.
نعم، معلّم سوداني… يخلع في المساء هيبة السبورة، ويرتدي ثوب العتّال، لا طلبًا للغنى، بل هربًا من الجوع.
أيُّ وطنٍ هذا الذي يُجبر من يُعلّم أبناءه الحروف على أن يبحث عن لقمة العيش بين أكياس الدقيق وصناديق الخضار؟
أيُّ زمنٍ هذا الذي يُهان فيه “وارثو الأنبياء” حتى يُصبحوا مشهدًا عاديًا في أسواق الكفاف؟
ليست القصة حالةً فردية… بل هي جرحٌ مفتوح في جسد وطنٍ ينزف. معلّمٌ يبدأ حياته براتبٍ لا يكفي ثمن خبز أسبوع، وآخر أفنى ثلاثين عامًا بين الطباشير والسبورة، ليجد نفسه في آخر الطريق عاجزًا عن شراء دواء، أو إطعام طفل، أو دفع إيجار بيت.
وتنتهي الحكاية الدامعة، حيث نقف جميعنا تلفّنا الدهشة، إذ تلوح في الأفق أرقامٌ تقطر وجعًا: رواتب لا تمثل إلا فتاتًا من تكلفة الحياة، بل أقل من أن تُسمى “حياة”.
فهل يُعقل أن يعيش من يزرعون العقول في تربة الأمل تحت خط الفقر؟
هل يُعقل أن يتحول التعليم من رسالةٍ سامية إلى مهنةٍ تطرد أصحابها نحو الهجرة أو المهن الهامشية؟
الجامعاتُ أيضًا تبكي… لكن بصمتٍ أكثر وجعًا. أساتذةٌ حملوا الوطن في عقولهم، صبروا على انقطاع الرواتب، ورضوا بنصف الأجر، بل بأقل… فقط لأنهم آمنوا أن العلم لا يجب أن يتوقف، حتى لو توقف الزمن.
لكن ماذا كان الجزاء؟ رواتبٌ لا تعالج مريضًا… لا تشتري كتابًا… ولا تحفظ كرامة…
فها هم اليوم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الرحيل عن وطنٍ لا يقدّرهم، أو البقاء فيه… وهم يتآكلون ببطء.
يا سادة… القضية ليست أرقامًا تُكتب في تقارير، ولا بنودًا تُدرج في ميزانية.
القضية… كرامة. كرامة معلّمٍ يُهان كل يوم حين يعود إلى بيته خالي اليدين. كرامة أستاذٍ جامعيٍّ يرى طلابه يحلمون، وهو عاجزٌ حتى عن الحلم.
إن الذي يحمل الطباشير، لا ينبغي أن يحمل همّ الخبز.
والذي يضيء العقول، لا يجوز أن يعيش في ظلام الحاجة.
إن رفع الأجور، وسداد المتأخرات، ومواكبة التضخم… ليست مطالب رفاهية، بل هي الحد الأدنى من العدالة.
هي حقٌّ لا يُمنح، بل يُسترد.
لأن التعليم ليس قطاعًا عاديًا… إنه قلب الوطن النابض. فإذا جاع القلب… مات الجسد كله.
يا من بيدكم القرار…
أنقذوا من تبقّى من المعلمين قبل أن تتحول المدارس إلى جدرانٍ بلا روح، وقبل أن نصحو على جيلٍ بلا معلم.
أنقذوا من يكتبون مستقبل هذا الوطن بأصابع متعبة وقلوب مكسورة. فالمعلم الذي يعمل عتّالًا اليوم… قد يكون آخر من تبقّى ليُعلّم أبناءنا غدًا.
وفي الختام… أيها المعلم السوداني… نعلم أنك تتألم، ونعلم أنك صابر… لكن صبرك هذا ليس ضعفًا، بل هو بطولةٌ صامتة. غير أن الأوطان لا تُبنى على صبر المظلومين وحده… بل على عدالةٍ تُنصفهم. فهل من مُجيب؟
أم نترك الطباشير يبكي… حتى ينكسر؟ وتلبس السبورات الأسود القاتم حدادا على الحال البائس؟



