أخبار السودان لحظة بلحظة

مطر الحزن

د. ناهد قرناص

0

مات محمد اكرم …تم العثور على جثمانه غريقا في النيل بعد طول بحث من الاهل والاقارب ..ومن ثم الجهات الرسمية ..محمد كان طفلا توحديا ..اجتهد اهله لكي يصل مرحلة الاندماج في المجتمع ..وهي مرحلة لا يتم بلوغها بسهولة ..طفل التوحد صعب المراس ويتطلب مجهودا خرافيا من اسرته وتدريبا خاصا يقتطع من عمرهم لكي يصل طفلهم هذه المرحلة ..واطفال التوحد عندما يصلون اليها يصيرون مميزين في الحياة ..كثير من الاذكياء كانوا اطفال توحد ..على رأسهم اينشتاين.

موت محمد فتح سيرة وجع ذوي الاحتياجات الخاصة ..ذلك ان هذا الفئة لا تجد ابسط الاحتياجات ..دعك من ان تكون خاصة ..التوحد ليست له مراكز كافية والاشخاص المتخصصين نادرين ..والاسر تدفع دم قلبها لكي يتم تاهيل اطفالهم ..وعندما يصلون مرحلة الاندماج ..ترفض أغلب المدارس تحمل مسؤولية طفل توحدي ضمن الأطفال الآخرين ..لذلك تضطر الأسر الى ادخال طفلهم في مدارس بعيدة من سكنهم ..فقط لأن المدرسة قبلت ان يكون ضمن طلابها ..فيصبح لزاما على الطالب قطع مسافة طويلة للوصول الى مدرسته ..وهذه قصة اخرى.

مات محمد اكرم ..لان القانون يمنع البحث عن مفقود قبل مضي 24 ساعة على اختفائه ..ان كان القانون أعمى ..فهل المشرفين على تطبيقه فاقدي الحس ايضا ؟ ..طفل توحدى اختفى ..يعني انه في خطر ..فهو لا يعرف الدرب ولا يستطيع سؤال المارة ..هل يجب تطبيق القانون على كل الفئات ؟ ام ان الاطفال وفاقدي الادراك يجب ان تكون لهم قوانين اخرى ؟ الاطفال العاديين لا يجب ان ينتظر القانون مضي يوم ..دعك من طفل توحدي لا يستطيع التمييز بين الطرق والشوارع ..واعتاد التحرك في مسار واحد طوال الوقت .

مات محمد اكرم ..وكشف لنا كم هي بالية القوانين ..كم هي متخاذلة الجهات الرسمية ..كم هي منعدمة الانسانية ..ماذا كان يكلف الشرطة ان تبدأ البحث بمجرد التبليغ ؟ هل هناك اي عقوبات لمثل هذا الامر ؟ ماذا يعني ان الاستعانة بالكلاب البوليسية تتم فقط عند القضايا الجنائية ؟ هل هناك جناية اكثر من اختفاء طفل ؟ محمد كان يمكن تتبع اثره من حذائه ..فقد تم اختفائه بعد دخوله المسجد ..لكن ( نقول شنو ؟ الله غالب ).

اغفر لنا يا الله ..سامحنا يا محمد ..فقد شغلتنا احوالنا عن تتبع احوالك ..خرجت وانت تملؤك الثقة اننا سنبحث عنك وسنجدك ..ولم يدر بخلدك اننا مقيدون بافكار وقوانين سخيفة ..سامحنا يا محمد فلو كنت في بلاد اخرى ..لقامت الدنيا ولم تقعد ..الشرطة والجيش والدفاع المدني ..التلفزيون والصحافة والاذاعة ..لو كنت في بلاد اخرى ..لتغيرت القوانين تبعا لموتك حتى لا نفجع بفقدان طفل آخر ..اذ ليس هناك معنى لهذا القانون في حالة الاطفال جميعهم ..ترى كم روحا سيتم انقاذها لو تم استصدار قانون يلزم الجهات الرسمية بالبحث عن الاطفال وفاقدي الادراك في كل الاعمار ..بمجرد الابلاغ عن الاختفاء ؟؟ قانون يعاقب كل من يتقاعس عن الاهتمام بالبحث عن الاطفال المختفيين وتقديمهم لمحاكمات عسكرية .

اما انت يا ام محمد ادعو لك الله مخلصة ..ان يربط على قلبك ويفرغ عليه صبرا ..لا يوجد اشد من ألم الثكل ووجع فقد الولد ..انا لله وانا اليه راجعون.

 

د. ناهد قرناص

الجريدة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.