مقالات سياسية

وَنَسة خَفِيفَة مع عَرمان: قِصة الإمَام و البَبَغاء و الزَوجَة الخائنة.

د. مقبول التجاني.

عِندمَا كُنا طُلاباً في جَامِعة الخُرطُوم، في بِداية الألفية الثانية، و بَعد تَوقيع إتفاقية نِيفاشا للسَلام، جاءنا الرفيق ياسر عرمان مع بقية وَفد المُقدمة للحَركَة الشعبِية، لِمُخاطبة جَماهِير الطُلاب في الميدان الشرقي للجَامِعة.

حِينها، هتفنا نحنُ طُلاب الأحزاب المُعارِضَة الأخري، مَعَ طُلاب الجبهة الوطنية الإفريقية ال ANF

هتنفنا: SPLA OK OKAY SPLA

حانسقِط النِظام SPLA

فَقاطَعَ هُتافَنا الرفِيق ياسِر عَرمان، و قَال أنهُم لَم يأتوا الي الخُرطوم مِن أجل إسقاط النِظام، و لكنَهم جاءوا عَن طريق شَراكَة مَعَ المؤتمر الوَطني، مِن أجل تَنفِيذ إتفاق السلام الشامِل، فَسكتنا إحتراماً لَه و لَم نَنطِق بِكلمة حتي إنتهاء الندوة، رَغم عَدَم إقتناعَنا بِما كان يَقُول.

تَلَي ذلك، تَنفيذ الإتفاقية المَشئومَة و دِخُولِهم البرلمَان، و إجازة قانُون الأمن الوطني بِصفقَة مع نواب الحَركة الشعبِية، و ضَرب الوقفات الأحتِجاجية للطُلاب المُسَالِمين بالبمبان و العِصي أمام البرلمان، و رِكوب عَرمان سيارتَه و مُغادرته البرلمان في ذلك اليوم، و إعتِقال نَفس الطُلاب الذين حَدثهُم عَرمان عَن إحترام الشراكة، و إعتقال بعض أعضاء الحَركة الشعبِية.

ثُمَ جاءت إنتِخَابَات سَنة ٢٠١٠ م، و صَفعَة سَحب تَرشِيح الرَفيق يَاسِر عَرمان بِصَفقَة سِياسِية أيضاً، و خيبَة الأَمَل الكَبيرة في الإنتِقال السِياسِي الدِيمقراطِي، و ما تَلاها مِن إنفِصال لا زال يُمذِق الوِجدان الجمعِي للسُودانِيين، و حَرب أهلِية طَويلة في المَنطِقتين.

الخميس الَمَاضِي، الموافق يوم ١٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، خاطَبنا مُجدداً الرفيق ياسِر عرمان، عن طريق مِنبر وكالة سُونا للأنباء، و تَكَلَمَ أيضاً عَن الشراكة مَعَ العسكريين و أكد إلتزامَهُم الضِمنِي بها، و مَا أشبَه الليلة بالبَارِحة.

هَل إتفاقِية سَلام جُوبا، مع العَسكريين ؟ أم مع حُكومة جمهورية السودان ؟ حتي يَتكلَم عَرمان عن الشراكة !

هَل هُناك نَصْ في إتفاقية سَلام جُوبا، يَتَكَلم عَن شَراكة مع العَسكريين ؟ كَما حَدَث في إتفاقِية نيفاشا !

حَسب عِلمِي، فإن الوثيقة الدُستُورية المَثقُوبة وَحدَهَا، هي التي تَكلَمَت عن مَبدأ الشراكة مع العَسكَر.

لماذا لا يُقَدِم الرفِيق يَاسِر عَرمان نَقد ذَاتِي عَميق لِتجرِبة تَنفِيذ إتفاقية نيفاشا-١، قَبل أن يُحاوِل تَطبيق إتفاقِية نيفاشا-٢، بِنَفس الطريقة القدِيمة الفَاشِلة ! و تَتَحَول بِذلك التِكرار المُخِل، هذه الثورة الشبابية العظيمة المليئة بالتضحيات، الي مُجرد هُدنة شَراكَة مؤقتة مَع عَسكَر الدولة الكِيزانية العَمِيقة، أو مُجَرد نَظام تُرَابِي خَالِف.

زَكَرتْنِي مُطَالبة الأَخ يَاسِر عَرمان، بِعدَم إنتِقاد قِيادة حِزب الأمة، بِنُكتة و قِصة البَبَغاء و الزوجَة الخَائنة و الزَوج الغائب:

تَقول القِصة و النُكتة، أن هُناكَ زَوجة خَائنة، و في غِياب زوجِها، طَلبت مِن البَبَغاء عدم الحديث عَن خِيانَتِها أَمَام زوجِها عندما يعود.

و عِندما يئست مِن البَبَغاء، قامت بِتهدِيدَه بِسِيخَة طَويلة وَضعَتْها في النار، و قَالت أنها سَتقوم بتعذيبه من الخَلف، علي طريقة جهاز أمن صلاح قوش في بيوت الأشباح، إذا لم يلتَزِم بالصمت، فوافَق البَبَغاء المِسكين علي مَضض.

فأرادَت إختِبارَهُ، و قالت له يا بَبَغاء: إذا حَضَر رَجُل الي المنزِل، فيها حاجة ؟ فقال البَبَغاء: زيارة من جَار عادية.

فقالت الزَوجة: يا بَبَغاء، إذا حَضَر رَجُلان الي المَنزِل، فيها حَاجَة ؟ فقال البَبَغاء: زِيارَة من جَار و جَار الجَار.

ثم قالت الزوجة: يا بَبَغاء، إذا حَضَر ثلاثة رِجال إلي المَنزِل، فيها حاجة ؟ فتغير وَجه البَبَغاء، و لم يستطِع تَحمُل ذلك، و قال: ثَلاثَة رِجال ! جيبِي السِيخة ساي.

هذِه هي حَالُنا دائماً مع الإمَام الصَادِق المَهدِي، فهو لا ينسَتِر مَعنا و نَحن لا نستطيع تَحَمُل ما يَفعَل و ما يقول، و علي عَرمان أن يُجهَز مجموعة كبيرة من السِيخ المَغلِي، إذا أراد إسكات جَميع المُنتقِدين.

لا تًوجَد حَمْلة إستِهدَاف مُنَظمَة ضِد الإمَام الصَادِق، و لكنَها أفعاله، و أكروباتَهُ اللَغوية، هي التي تَستَوجِب النَقد مَن الشَارِع، و حَق النَقد مَكفول للجمِيع، في ظِل التعدُدية و الدِيمقراطِية المَمهُورة بالدماء.

آخر مُصيبة سِياسِية قَام بِها الإمام الصَادِق المَهدِي، في الأيام المَاضِية، هي توقِيعَة إعلان عمل سياسي مُشتَرَك مع حِزب المؤتمر الشعبي الغَابِر يوم ٣١ أغسطس ٢٠٢٠ م، قَبل يَوم واحَد فقط من تَنكُر زَعيم المؤتمر الشعبي علي الحَاج عَن سُودانيته في المَحكَمة التي عُقَدَت بتاريخ ١ سبتمبر ٢٠٢٠ م.
هناك قِصة و نُكتَة لِبَبَغاء آخر، تُزَكِرَنِي بالإمَام الصَادِق و الطَلَب الغَرِيب للصَديق المُنَاضِل يَاسِر عَرمَان، إذ يُحكي أن لرجُل زوجة صَلعَاء و بَبَغاء سَليط اللٍسان، و كان البَبَغاء يُنادي الزوجة ب أم صَلعَة، و كانت الزوجة تتضايق كَثيراً مِن ذلك.
طَلبَت الزوجَة من الرَجُل، تبديل البَبَغاء في السُوق، فذهبَ الزوج الي السُوق و لَم يَجد بَبَغاءً آخر مُناسِب، و عَزَ عليه بيع صَديقه البَبَغاء، فقام بِتلوين البَبَغاء القَديم و عاد بِه الي المَنزِل، بعد أن عَقد مَعَهُ إتفاقية بأن يَدَعِي أنَهُ بَبَغاء جَديد، و عدم مناداة الزوجة بأم صَلعَة، فوافَق البَبَغاء علي مَضَض.

قال الرَجُل للزَوجة: هذا البَبَغاء الجديد يتكَلَم عِدَة لُغات، إذا رَفعتِي رِجلَهُ اليمني يتحدث إِنجليزي، و إذا رَفعتِي رِجلَهُ اليُسرَي يَتَحدَث لُغة فرنسية.

فقالت الزَوجة: و إذا رَفعت رِجلاه اليُمني و اليُسري مَعاً ؟ فحدَق الببغاء و قَال: بَقَعْ يا أم صَلعَة، و هذه هي حالُنا مع الإمام الصَادِق.
لا يُوجد شَخص في العَمَل العَام مُحَصَن ضِد النَقد، إلا في ظِل الدِيكتَاتُورية، و هذه الثورة الدِيمُقراطِية ليس فيها أحد أكبَر مِن الشُهداء، و قد طَالت سِهام نَقدِنا حتي حمدوك شَخصِياً، و هو عَلينَا عزيز.

المَطلوب و العَشَمْ مِن سياسِي مِثل ياسِر عَرمان، هو أكثر مِن مُجَرَد التَصدِي اليومِي لِلخِطابات السِياسِية المُوجودة في الساحَة الوَطنِية، سَواء إتفقنا مَعَهَا أو إختَلَفنا، أو مُجرَد قِيامِه بالتَرويج الرُومانسِي لِلشراكة الحَالِمة مَع المَنظُومةالعَسكَرية.
لكن يَظل رَجاءنا أن تَكون عَودة عَرمان، إضافة حَقِيقِية لِلفترة الإنتِقالية و التَحوُل الوَطَنِي الدِيمُقرَاطِي، و تَحقِيق أهداف الثورة الدِيسمبَرَية مَن حُرية واسِعة و سَلام شَامِل و عَدالة إجتماعِية، و ذلك بِما يُمكِن أن يَحمِله الأخ عَرمَان مِن خِبرات شَخصِية ثَرة و مَشارِيع سِياسِية واعِدة.

لو قال عَرمَان في مؤتمر وَكالة سُونا، أنَه جاء الي السُودان لِنَقل خَدمَات المَدينة الي الرِيف، لَكفَتهُ الحَديث السابِق عَن الشراكة و الإمَام، و الحَديث اللاحِق عَن شَك وَرَق الحُرية و التغيير، في وَقت نحن نَحتاج فيه الي شَك وَرَق الدولة.
إنزال إتفاقِية السلام على أرض الواقِع، كيفما إتفق، لا يَعنِي بالضرورة إحداث نقلة حقيقية في الفترة الانتقالية والمشهد السياسي السُوداني، بِدون طَرح رؤية سياسية واضِحة من قِبل مجموعة الحَركات الموقِعة علي إتفاقية سَلام جوبا، لتُساعِد في عَملية الإنزال، و تُساهِم مَع الآخرين في المَلَفات المُعقَدة الأخري.

لو إستمَر الرفيق ياسِر عَرمان، بَنَفس وتيرة هذه التصريحات اللمامية، فسيحجِز مَقعَدهُ في قُطِية الإمَام الصَادِق قَريباً جَداً جَداً.

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..