مقالات وآراء سياسية

طمْس التاريخ

عادل عبدالرحمن

يا (سودانايل) في رحيل الصادق المهدي: هل حُرمة الموت تبيحُ نشر كلّ ما يُقال في مدحهِ، وتُحرّم ما يُقال في قدحهِ؟!

أعلم أنّ الساحة السياسيّة السودانيّة اليوم مفخّخة كما لم تكن من قبل، ومَن أراد الخوض في شئونها عليه أن يعلم أوّلاً أنّه يمشي في حقل ألغام – هذا ما قلته في نفسي – وأنا أزمع الكتابة. الكتابة ضمن مشهد فانتازي، غرائبي، فوضويٌّ بإمتياز – مُضحكٌ ومبكي في آن.. هكذا شاء لي القدر بأن أكتب في زمن روزنامات كمال الجزولي، جُمْعات ياسر عرمان، بذاءات الكضباشي، سرياليّاتٍ برهانيّة، ثورةٌ طازجة تأكل بنيها.. شعبٌ يحكمه مَن ثار عليهم!

في غمرة بحرٍ متلاطم من الكتابات المتقاتلة/ مَن سيتحكّم في ما يجب أن يُكتب أم لا، تدبّر وأحقيّة ما يُنشر ومشروعيّته: ضميرُ الكاتب ورقيبه الذاتي، أم حقّ مَن يملك وسيلة النشر ورؤيتهِ ورأيه ووجهة نظره؟! سألت نفسي وأنا أحاول فهم سبب عدم نشر مقالي مَن لدنّكم: (رحيل الصادق المهدي: العزاءُ واجبٌ لأهله وحزبه وطائفته ومُحبّيه؛ أمّا التصدّي لصفاتٍ يخلعونها عليه كذِباً، فأوجبُ!) الذي نشرْته على صفحتي الفيسبوكيّة حيث لا رقيب أو عتيد، ونشرَته “الراكوبة” بعد أن أعملت حقّها في إبتسار العنوان إلى: (في رحيل الصادق المهدي) فهدمتْ عتبات الدخول إلى الموضوع/ المقال!

ومن وحي سودانيّتي فأنا أعلم الحرج الذي يدخل فيه البعض في معرض الحديث عن متوفي وبيت فراشه ما زال مفتوحاً – فيُعمِلُ أداة حقّه في عدم النشر؛ ولكنّي لا أفهم عدم الحرج في نشر إفتراءاتٍِ عن دور “المرحوم” في ثورةٍ هو أوّل مَن شكّك فيها وإستهزأ بها، ومن نصّبه عرّاباً للديمقراطيّة.. فأنا أجزم، كما يفعل غيري، أنّ الإمام كان من أكبر مَن زرعوا الألغام في طريق بناء دولة مدنيّة – حين كان حاكما أو معارضاً، يومَ أن رفض تنفيذ أمر المحكمة العليا ببطلان حلّ الحزب الشيوعي، ويوم أن سلّح قبائل الرزيقات العربيّة في دارفور (نواة الجنجويد فالدعم السريع) ضدّ أهل البلد الأصليين حين كان رئيساً..  وهجر رفاقه في “التجمّع الوطني” وهو مجتمِعٌ معهم نهاراً بأسمرا، ذات ليل بدون علمهم ليلتقي عمر البشير بجيبوتي ليعقد معه الصفقات – حين كان معارضا.

لست هنا لأحصي أفعال الراحل لأدلّل على زعمي وجزمي، فلقد بَذل لنا منها بسخاء عمَّ كلّ أرجاء منعطفاتنا السياسيّة.. بل لأُحدّق في، وأفهم فكر بعض مَن كتبوا مِن الساسة و”الثوّار” الأجلّاءْ الذين نشرتم لهم، وفي لحظةٍ تاريخيّة بالغة التعقيد يواجه فيها السودان أمر بقاء ما بقيَ منه موحّداً، أو الذهاب إلى التشظّي والإنشطار.

نعم،

لابدّ من وقفةٍ ههنا – مع النفس والآخرين – وحسابٍ عسير:

مَن يُنادي بالديمقراطيّة من زعمائنا يجب عليه أن يكون، أوّل ما يكون، ديمقراطيّاً في حوشه وحزبه أوّلاً قبل أن يأتي ليعلّم شعوبَ السودان معاني الديمقراطيّة وكيفيّة ممارستها.. ومَن يدّعي الوعيَ والحصافة وإمتلاك المنهاج البصير الذي يُعينه على قراءة الواقع والتاريخ وما يجب أن يكون، أن يُبرهن على ذلك بأفعاله ومواقفه وتحالفاته في المُعترك السياسي والفكري والنضالي الجاري الآن.. أن يُفسّر لنا قادةُ الأحزاب الثلاثة الكبرى – مَن مَلكوا اليمين واليسار – سرّ مراوحتنا بعد كلّ إنتفاضةٍ وثورة لنقع في نفس الحفرة/ الإنتقاليّة التي ما نقلتنا إلا إلى نظامٍ ديكتاتوريّ آخر (وسيبك من غلّوتيّة الدائرة الجهنّميّة التي صدعتمونا بها، فنحن لم نُجرّب “المدنيّة” حُكماً في يوم من الأيّام، نحن لم نُجرّب سوى جهنميّاتٍ ديكتاتوريّة، عسكريّةً كانت أَمْ مدنيّة) فسّروا لنا سرّ أن تكونوا أحزابَ عقائديّة، طائفيّة وديمقراطيّةً في آنْ..! لأنّ الأحزاب الديمقراطيّة لا تتناسل وتصبح الأصل والفرع والفِرَقْ، يفرّ أعضاؤها عنها ويتبرّؤون من قياداتها، بل سيبقون في ساحاتها ويُمارسون حقّهم في نزع السُلطة عن مَن يظنّون فيه الظنون، مَن حاد عن شِرعتها!

إنّ الشعوب السودانيّة لن تعفوا عن ما سلف (ليس غبنا وفقط) ولئن كان بعضاً مما سلف قد ذهب إلى مزبلة التاريخ كما يقولون، إلا أنّ رائحته ما زالت تزكم الأنوف وتعكّر مزاج ثورتهم المغبونة الآن. فما سلف هو الذي أسّس لأهمّ مجريات الأحداث الآن، وأرسى مكابح لعجلة سير البلاد نحو الأمام. فمَن رحلوا عن هذه الفانية إنّما رحلوا بأجسادهم فقط، أمّا أفعالهم وأفكارهم وأشباحهم – الخيّر منها والشرّير – ما زالت تجول بين الناس وتؤثّر في حيواتهم ومشاغلهم وأمور دنياهم. قلتُ ما فعلوه..، ولكنّ الذي ما لم يفعلوه (الراحلون والباقون الآن) هو الأهمّ والأشدّ ضرراً: فشلوا في وضع الأساس لبُنيان دولة..، واُسُّ الدول هو الدستور؛ فهل يا ترى أنّهم تأسّوا بحكمة سيّد العارفين/ الإمام علي: (لقد إستعنّا على قضاء حوائجنا بالإستغناء عنها)..؟!

لا أظن، لأنّ الذي لم يسجد لصنمٍ قط، كان يعني متاع الدنيا الزائل، وليس ما يبقى في الأرض لإسعاد البشر وتوطين الحُبّ والتماسك فيما بينهم.. وبهذه المناسبة تذكّرت إجابة الزعيم/ محمد عثمان الميرغى (فلقد إستغنى هو الآخر ذات يوم) حين سأله أحد الذين “قلبهم أبيض” أيام تجهيزات الأمور للحكم بعد مارس/ أبريل (الإنتخابات يعني) عن برنامج الحزب، فأجابه الإمام بما معناه: (نحنا ما محتاجين نكتب برنامج ونوزّعوا على الناس.. نحنا برنامجنا وااااضح) وفي الحقيقة الواضح ما فاضح – الشريعة الإسلاميّة كمان عايزه ليها درس عصر؟

وكان جينا للحق، أنّ الذين رحلوا والذين لمْ، حاولوا مُثنى مِن قبل.. والثُلاث والرُباع آتيةٌ في الطريق بلا ريب، ولكنّهم فشلوا في إقناع خُلوق السودانيين السودا والبيضا بمشاريع دساتيرهم الإسلاميّة، ولم يفتح الله عليهم بتفاكير أخرى، واكتفوا – من زُهدهم – بأجر المحاولة. والشيء الذي إستعصى عليّ فهمه حينها، أنّ الأستاذ/ محمد إبراهيم نقد زعيم الحزب الشيوعي السوداني أجاب أحد الصحافيين إبّان ما بعد أبريل لمّا سأله عن رأيه في “قوانين الشريعة” التي أبى الإمام إلغائها، أجابه: (نحنا ما عندنا مشكلة مع الشريعة الإسلاميّة) فحاولت أن أستعين بقرن هذه الإجابة بمقولةٍ أخرى له حين إستطرد أثناء حوار صحفي أيضا قائلا: (لا يوجد شيوعي واحد ما بصوم) قرنتها لأفهم حينها – فلَمْ

ولكنّي سأحاول الآن مرّةً أخرى، ولئن أخطأت سأكتفي بأجر المحاولة، برضو مكسب، مووش..؟!

الجماعة ديل كلّهم، الأحزاب التلاته الكُبار، تنتمي زعاماتهم وجلّ قياداتهم إلى “ثقافة عربيّة إسلاميّة” المُهيمنة. حزبان عقائديّان يُدينان بالإسلام وينتميان كلٌّ إلى طائفة؛ أمّا الحزب الثالث/ الشيوعي ذو العقيدة الماركسيّة اللينينيّة، يتماهى مع الحزبيْن المنافسيْن في إسلاميّتهم – يصوم، يزكّي، يمشي العُمرة ويختن بناتو كمان. غير أنّه، وللحقيقة أيضاً، أن ليس كلّ أعضاء الحزب منسجمين مع هذه الرؤية القياديّة الفذّة، بمعنى آخر أنّ لا وحدة فكريّة تجمع جميع الأعضاء.. فعلى سبيل المثال، أُقيمت ندوة سياسية بدار المهندسين السودانيين بعد إنتفاضة مارس/ أبريل لمناقشة أمر “قوانين سبتمبر” تحدّث فيها قادةٌ حزبيين ونقابيين من مُختلف المشارب، فإنبرت المناضلة/ فاطمة أحمد إبراهيم، القياديّة في الحزب الشيوعي بالقول: (خلّونا واضحين، إنّ ما تُسمّى بقوانين سبتمبر وقوانين نميري ياها ذاته قوانيين الشريعة الإسلاميّة – الجلد وقطع اليد والرجم.. عايزنّها وللا ما عايزنّها؟!)

شكراً للكبيرة/ فاطمة على هذا الدرس، الذي وجَّهته إلى القيادات قبل العوام: عدم اللولوة.

أمّا هذا التماهي بين الثالوث يتجلّى ثقافيّا وسياسيّا في كثيرٍ من المواقف. ولذا فأنا لم أستغرب كثيرا لمديح الشيوعييَيْن الكبيريْن – الجزولي وعرمان – لفكر ومواقف الإمام (وبالمناسبة، لكيْ لا يلمني أحد في زعمي بشيوعيّة عرمان، أنّه لم يستقل من الحزب قبل ذهابه إلى “الحركة الشعبيّة” بل تقدّم بطلب “تجميد عضويّة” قرأته حينها مع عديدين غيري) فهم لم يقطعوا معه فكريّا ومعرفيّا بشكلٍ جليّ، كيساريين مع يميني، لكيْ لا يُوهم الكثيرون ويُشوّش معرفتهم بأسباب الصراعات الجارية اليوم.. مَن مع مَن ومن ضدّ من. فخلّونا واضحين في مناقشة ما يُقرّر مصير وطن يسعى للتشكّل والبقاء، دعُونا من وضع حدود ما هو حلالٌ وما هو حرام في لحظة تاريخيّة معيّنة.. إنّ صاحب الروزنامة لم يكتب ما كتب اليوم بمناسبة رحيل الإمام لذكر المحاسن كما أوصى بها نبيّهُ في الملمّات، فلقد سبق وأن كتب وأثنى ومدح الإمام قبل ذلك في مقال بعنوان: (ديمقراطية الصحويين بين أهل الكهوف واهل البروج) نُشر بجريدة “الرأي العام” بتاريخ 25/11/2002 وهو ما يسند زعمي بالتماهي. فصاحبُ المقال حينها، وكاتب المديح بمناسبة الموت اليوم، هو قياديّ لايعبّر عن رأيٍّ شخصي في مقام أو مناسبةٍ ما فقط، لأنّ ما كتُب ليس موضوعه خاصٌّ بفرد في مجاله وحيّزه العائلي، بل بالرؤى والأفكار والأعمال التي تخصُّ عموم الناس من أهالي السودان.

قلتُ التماهي، وعنيْتُ رعونته بين الأضدّاد.. إلا أنّ الأمر يبدو أعقد من ذلك، فما يبدو ليس كما هو في واقع الحال – مجرّد تماهي؛ فما معنى أن تكون كلّ مواقف الحزب الشيوعي متطابقةً مع مواقف “الحزبيْن” في قضايا مصيريّة بالنسبة لوحدة البلاد كما هي في معضلة جنوب السودان حين نُوقشت على مدار التاريخ في مؤتمرات المائدة المستديرة وما قبلها وبعدها. رفضوا معاً كلّ مقترحات الجنوبيين من الفيدراليّة بكلّ أشكالها إلى الكونفدراليّة.. ليأتوا أخيرا متباكين، معاً، على خيار تقرير المصير فالإنفصال.

في آخر لقاء ما بين الإمام وجون قرنق في “أديس” الذي إستغرق ما يزيد عن خمسة ساعات دون الإتفاق على شيئ، طلب “الإمام” من “القائد” أن يذكر لوسائل الإعلام أنّ اللقاء لم يتعدَّ الساعتيْن! فسأله جون: هل سنبدأُ بالكذب؟!! وطلب منه: حين تعود إلى الخرطوم، ولإبداء حُسن النيّة، ألغي قوانين سبتمبر!

ما يُكتب ويُنشر في هذه الأيّام حول فضائل الإمام السياسيّة والفكريّة يصيبني بالدوار والدهشة، خاصّة حين يصدُر عن أقلام كنتُ أظنّها أكثر حكمة ورويّة. وهذه مجرّد وُجهة نظري فقط، وُجهة نظري التي أتمنّى أن ترى النور مثل مثيلاتها من وجهات النظر الأخرى والمغايرة. ولأعترف بأنّني أُصبتُ بعقدة الشك وعدم اليقين في أفكار ومواقف أقرب الناس لي، من أصدقاء ومعارف، مَن كنتُ أظنّ معرفة ما يُبطنون، ناهيك عن أؤلئك الذين لا تربطهم بي أواصر التواصل الطويل. ولذا بتّ أسأل الأسئلة المباشرة لكلّ مَن يناقشني في إمور السياسة والفكر ومُجريات الحياة البسيطة.. وعلى سبيل المثال، إن كان شيوعيّا يتفاخر بمواقف حزبه من حكومة حمدوك أو لجنة التفكيك، أرميهِ بالسؤال المغاير: هل قرأتَ رأسَ المال؟ فيُلجَمْ! أمّا إن كان من المتعلّمين الشماليين المثقّفين العالمين بحاضر السودان وغابرهِ الذين يجادلون في السياسة وسبُل الحُكم وفِقههِ، أسأله: متى صارت دارفور جزءاً من السودان؟ فَيَحارْ! ولئن كان مِن أصدقائي أو صديقاتي النُبّهْ ممن غبت عنه دهراً وأردتُ أن أعرف أين يقف الآن وكيف يُفكّر، أتوجّه إليه بالسؤال: بتسلّم كورونا ولّلا عادي؟!!

أمن بعد ذلك هل يُوجد مجالٌ للمجادلة فيما يجب كتابته ونشره، ما يجوز وما لا يجوز في لحظةٍ معيّنة من أحلك وأعصى لحظات ما تبقّى من حياة وطننا.. ومَن الذي تَجَنّى على عُرفِ مَنْ مِن العباد في ما يقبلونه أو لا يقبلون مِن مقالٍ في حياةٍ أو ممات!

عادل عبدالرحمن
[email protected]

 

تعليق واحد

  1. شوفوا انا سنوسي مغربي من أصل قرشي أفريقي منذ قدم السنوسية منذ 1400 سنة هجرية الصادق المهدي عروبي لكن اصل مني يعني نحن جينا قريبا الصادق المهدي من تراثه ومن حوله جاو قبلنا وانا والله مشكلتي كلها علمكم ََََََََ وفقط ويا ليتني كنت زنجي كان أفضل لي وأفريقيا بالمناسبة ليست حكرا على احد فهي لا دينية ولا طايفية هي تركيبها تعاوني ومجموعي ولا احد يهتم بها فهي للاقوي لذلك الأسد بها وهي مهد الحضارات يكفي ان بها الفراعنة وبحكم انهم في أهم مناطقها جغرافيا فهم الاقوى والأفضل او من المفترض ذلك وحسب أولوية جيشهم والسلم التعليمي فإن دارويشهم يجب أن يتعلموا قبل أطفالهم لذلك أفريقيا يحكمها الدراويش ام الاصحا فيما سون سياسة فرعون القديمة بمفاهيم جديدة فالمصري ما أن يراك يبتسم ثم يهرشك ام اذا اعجيته يستميلك ثم يرسل لك اعوانه بل يبني لك بيتك والسفارة وغيرها كل ذلك ليبقى وصي على تركة فرعون في أفريقيا.

    لذلك افهموا أفريقيا لا يمكن أن ينجح بها اسلام سياسي كما في السعودية وغيرها الان تطبيق الإسلام في جزيرة العرب وان كنتم قد قمتم به من قبل في غيرها في تاريخكم الإسلامي المجيد فهذا تاريخ تدفعون ثمنه اما انا فاعلم لكم دينكم ولي دين ولا تزر وازرة وزر أخرى َوالدعوةة بالحسن والكلمة الطيبة وتاتي عندما تملك شي وليس سياسيا لصالح من يقهرك وبذلك بدونيتك وعلوه العرقي بل بمن يفعلها لوجه الله يعني مثل الرسول لا اريد منكم جزا ولا شكور لذلك الدين يعود غريب ودعوا ما لله لله ولقيصر لقيصر وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..