عرض كتاب : نظام التفاهة

محمد عبدالرحمن محمود
عرض كتاب : نظام التفاهة
المؤلف: د. آلان دونو
ترجمة وتعليق: د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري
تلخيص: محمد عبدالرحمن محمود
الفصل الثاني: التجارة والتمويل:
في باريس عام 2013م، قام بنك فرنسا بتمويل معرض في مدينة العلوم والصناعة بعنوان: L’economie: krach, boom, mue. كانت هذه المقاربة لأغنية مغني البوب الأيقوني المرح جاك دوترونك تقصد إلى إيجاد مصالحة بين الناس والاقتصاد. لقد تم وضع منطقة تحاكي سوق المال (البورصة)، كان الزوار يُدعون لشراء أو بيع الأسهم من خلال التصرف (بحصافة) تجاه معلومات كانت تُذاع لهم من خلال مكبر للصوت. لقد كان الهدف هو تثقيف المواطنين، لأنه ، وفقاً لأستاذ الاقتصاد بيير باسكال بولانجيه الذي ساهم في وضع الكتاب المصاحب للمعرض، فإن جهل المواطنين بالاقتصاد هو، في حقيقته (تهديد للديمقراطية).
لم يقتصر المعرض على توضيح ما يُعرف بالمدرسة الكلاسيكية بـ (علم الاقتصاد)، وإنما أعطى الانطباع كذلك – بأنه وراء التفسيرات المبهمة للخبراء – هناك أسباب للأزمات الدورية: المنتجات المالية الفاسدة، وتقلبات الاقتصاد، والمضاربات المجنونة على بورصة محمومة. ومع ذلك، فإن هذه الأسباب هي من التعقيد بحيث أن المواطن النزيه المعتاد لا يمكنه أن يفهمها حقيقة، إلا من خلال قنوات المعارض الشعبية المحِطة من قدر الموضوع أو ربما من خلال الرسوم المصرة أو برامج التلفزيون، المليئة جميعها بتشبيهات بائسة تقارن بين الميزانيات المؤسسية وميزانية ربة المنزل أو حسابات رب العائلة على مر التاريخ، كان الابتذال يُصور دائماً وكأنه أخت للأيدولوجيا أو كأنه أيدولوجيا مضادة، وهو أمر غير مفيد في الحقيقة.
في سوق الأوراق المالية، تلعب الآلات بكل من: مدخرات الأفراد ذوي الدخول المحدودة، والديون الوطنية للدول، وقيم العملات. إن لها أثراً معتبراً على أسعار الأسهم التي تستخدمها وكالات التصنيف الائتماني لقييم الحهات العاملة في أسواق المال.
لم يعد أي شيء متماسكاً الآن، فبورصة نيويورك توجد فعلياً في نيوجيرسي، في ضاحية ماهوا غير المعروفة. وهناك مخازن ذات إجراءات أمنية مشددة تمتد على مساحة عدة ملاعب لكرة القدم، توجد عدة كمبيوترات ذات أداء فائق الجودة، تتحار فيما بينها على قيم الأسهم، مستهلكة في اليوم الواحد طاقة كهربائية تكفي لتزويد (4500) منزل. وتفعل بورصة باريس الشيء ذاته؛ وهي التي تقع قرب لندن، في المدينة التي لا يعرفها أحد والمسماة باسلدون.
عبر ما تقدم من عرض، تبقى مشكلة: إننا مجبورون على أن نبدأ بالانطلاق من مصطلحاتت متعسفة تجاهنا، ومع ذلك فيبدو أن القلة فقط من الاقتصاديين هم من يستطيعون تفاديها. وسواءٌ وصف هؤلاء بأنهم (غير أصوليين) في منهجهم أو (جزِعون) من الوضع، فإنهم يظلون يعودون إلى هذه المصطلحات في مساهماتهم. ورغم أنها مساهمات مفيدة لا شك، إلا أنها لا تزودن بما هو أكثر من الدبلجة النقدية.
الاقتصاد الغبي : ليس مما يثير الاستغراب، نتيجة لما تقدم، أننا عدنا نستطيع أن نفكر في الاقتصاد بشكل جمعي. ذلك أنه عندما يتعلق الأمر بالعمل التجاري، فإن حتى أدنى مستويات التحليل تبدو – فجأة – عسيرة على الفهم. وعندما نتعامل مع مبالغ يمكن أن تؤثر بدرجة ملحوظة على مؤشر أولي مثل الناتج المحلي الإجمالي – الذي يرتبط بوثنٍ آخر هو (خلق الوظائف) فإن المال يمنع جميع طرائق التفكير. أن تعبير (إنه المال، أيها الغبي) – الذي استُخدم أصلاً لهيكلة الخطاب الخاص بالحملة الرئاسية لبيل كلينتون عام 1992م – يلمح إلى أننا لا نستطيع أن نتخيل المواطن المعتاد مهتماً بأي شيء آخر عدا ما يعنونه بالاقتصاد. ولكننا إذا ما أدرنا العبار على وجهها الآخر، فإنها تعني أن الاقتصاد وافتراضاته الارتزاقية تجعلنا أغبياء، مانعة عقولنا من الاشتباك مع المسائل التي تتملص منا. إنه (الاقتصاد الغبي) في حقيقة الأمر.
صنع في الصين: هنا، هو أمامنا. في كل مكان. وهو ضخم. علينا أن نحدق فيه بأعين مفتوحة على وسعها. ولكن على العكس من ذلك: فإننا، جميعاً، غير قادرين على الرؤية. لبعض الأشياء أثر مباغت، إنها تُسيء إلينا، ولكننا لا نقول شيئاً. في البداية، قامت الأوليجارشية شمال الأمريكية بحث الصين على تحويل مشهدها الصناعي إلى منطقة حرة واسعة، حتى يتم إنتاج السلع الاستهلاكية للعالم بأسعار مخفضة. والآن تريد هذه الأوليجارشية خلق منطقة تجارية تفصيلية في أمريكا الشمالية من أجل إرضاء توقعات شركاء الأعمال الصينيين. وهكذا تكون الدولة الاشتراكية، في متابعة لسقوطها نحو الأدنى، قد اتخذت منحى جديداً نحو القاع.
الخبراء المنقذون : كلما تراجعت الأوليجارشية إلى عاداتها السيئة (الفساد، والتدليس، والتفاهة) سارع الخبراء الذي يتقاضون رواتبهم منها إلى إنقاذها.
في الدوائر العليا، تُبذل الجهود عادة لإخفاء أفعال النظام الأكثر إثارة للصدمة، وذلك من أجل قطع الطريق على أي تحديات قد تظهر لاحقاً.
مرض المال : لهؤلاء الناس، يصنع المال ساتراً يخفي كل شيء. لقد فرض المال نفسه على الثقافة الحديثة كطريقة لحساب متوسط القيمة، بعدما أصبح العلامة المفضلة للتوسط بين السلع. فهذه الوحدة للقياس المتوسط للقيم فرضت نفسها خلال التاريخ كناقل للتفاهة.
تبدأ المشكلات عندما نتوقف عن النظر إلى النقود (كوسيط) للقيمة، فنبدأ في التصرف وكأنها (تتضمن) قيمة أو كأنها هي في حد ذاته قيمة.
أن يحب المرء المال، أن يكون منجذباً له، هو أن يكون مغرماً بما يتيحه لنا من فرصة النفاذ إلى كل شيء، مما يعني أنه في الحقيقة، ومهما بدا ذلك غير منطقي، فنحن منجذبون إلى لا شيء، أو إلى لا شيء باستثناء الوسيلة التي تسمح لنا بالحصول على جميع القيم، التي تنخفض بها النقود إلى تعبيرها الأبسط. هذه القيم، للمفارقة، منسية من قبل الوعي العملي، لأن النقود تصبح قيمة مطلقة. أن تصبح منجذباً إلى هذه الوسيلة من ضمن بقية الوسائل هو أن تعتبر الوسيلة التي تقود للقمية قيمة بحد ذاتها، وشيئاً فشيئاً أن تصبح منجذباً إلى إحصاء للقيمة هو بحد ذاته غير شخصي، غير مهم، غير محدد، محايد، واعتيادي. إننا نخلط بين رسم لبورتريه القيمة، وبين الشيء نفسه، فنفضل الخارطة على الإقليم. من منظور الوعي، تنحدر النقود بكل شيء إلى مستوى النقطة المرجعية هذه. هذه الوسيلة في الحصول على كل شيء تسمح لنا بالحصول على كل شيء إلى درجة تجعل منه اعتيادياً (متوسطاً).
فالشخص المصاب بصفة الطمع يفكر في الثروة الافتراضية التي تعد بها علامة النقد، من دون يدعها تتجسد في أي شيء؛ فأن يتخيل المرء كل الممكنات التي لا حصر لها التي تعد النقود بها لهو أفضل من يحول هذه النقود إلى أي واحدة منها. فالطماع يطالب علامات النقد بأن تزوده بكل المتع التي تعلنها، من دون أن ينخرط هو في تجربة فعلية تجعل من هذه المنع محلاً للاختبار.
وعلى العكس، فإن المبذر لا يهتم أبداً بعلامات النقد هذه : إنه يريد أن يجرب ثمرة الوعد، أياً ما كانت الكلفة.
أما الشخص الجشع، فلا يبدو عليه أنه يجسد نموذجاً، عوضاً عن ذلك يتسم بانحلال أخلاقي، ويتميز بحالة الارتباك التي تغمره لمجرد كون النقود متاحة.
أما الشخص المتخم باللذات، فإن سبب مرضه هو القلق بشأن الدخل. فبعد أن استلم أجرته من خلال أفعال متكررة ونمطية فقد صار بعدها يعاني كمستهلك من نظام يُكتسب فيه كل شيء من خلال أفعال متكررة أيضاً، كوضع العملات على منضدة البيع أو توقيع الشيكات.
الاقتصاد الجشع: قطعة النقود المعدنية التي تمسك بها بين الإبهام والسبابة هذه، ما هي العلاقات التي تسبغ عليها المعنى؟ إن هذه العملة ترتبط بقيم السلع والخدمات التي تتيح لك ربطها ببعضها البعض: رغيف خبز، تذكرة حافلة، إبريق كهربائي، إيجار شقة .. إلخ. إلا أن الأمر يتطلب وجود سلطة مستقرة لترسيخ قيمة العملة ذاتها ضمن نصف قطر معين. بعبارة أخرى، لا تتعلق العملة المعدنية بمجموعة من القيم المرتبطة بسلع فقط، ولكنها تتعلق أيضاً بمركز جاذبية يضمن مدارها؛ المدار الذي سوف يخلق نظاماً دائرياً لنشاط المجتمع الذي يستخدمها. إن هذا المفهوم الكلي يُعرف باسم (الاقتصاد).




كلام كبير ومهم….شكرا