أخبار السودان

حلم التيجاني

د. نصر محمد عارف

عندما لاح في الأفق أن جنوب السودان لا محالة سينفصل، وستنغرس سكين الجزار الأممي في خارطة السودان الغضة الخضراء، وستتقلص خريطة الوطن العربي التي كانت أول شئ حفظته عن ظهر قلب قبل دخولي المدرسة، وسيصبح جنوب الوطن العربي منفصلا عن العمق الأفريقي بكيان عدائي يحمل من المرارات ما يحول دون التواصل مع ديار كانت بالأمس

من أعضاء الجسد الممتد مع الوادي بالماء والدم. عندما تأكد لكل عاقل أن المخطط الإنجليزي الذي وضع عام ١٩٢٤ قد أتي ثماره على يد دولة التمكين، وأن السودان سيصبح سودانين، وأن نظام الإنقاذ ضحى بالسودان لينقذ النخبة الحاكمة وأصهارها من رجال الأعمال، وأن مصير أمة وادي النيل، أو الامة المصرية السودانية لعب به القمار سياسيون هواه،حينها كنت أبث شجوني لواحد من أهم المتخصصين في الشأن السوداني الزميل العزيز والاستاذ الكبير الدكتور التيجاني عبدالقادر حامد، المفكر السوداني الذي يشهد بعلمه وحكمته، وعمق تجربته الفكرية والسياسية كل أهل السودان،خصوصا من المنافسين السياسيين، فما أكثر ما أشاد به المفكر السوداني الدكتور حيدر ابراهيم؛ الذي يعارض بشده تياره الفكري والسياسي؛ التيجاني عالم عميق الفهم، وسياسي نزيه متعال عن الهموم الصغار، والمصالح التي غرق فيها معظم من كان معه من قيادات، ومفكري الحركة الاسلامية في السودان، وآثر الانعزال، والاعتزال منذ منتصف التسعينيات، ولكن ظل موصولا بالشأن السوداني فكرا، ومهموما ومثقلا بكم الفشل والادعاء الذي غرقت فيه النخبة الحاكمة.
حينها كتب التيجاني مقالا نشرته صحيفة «الأحداث» السودانية، وموقع شبكة «الشروق» التلفزيونية في ١٥ نوفمبر ٢٠١٠، كان عنوانه «رأيت فيما يرى النائم كونفدرالية بين مصر والسودان»، وهو مقال بديع في صياغته الأدبية، عميق في فكرته، قدمه في صورة حلم رأى فيه التيجاني جلسة تجمع وزير الخارجية المصري آنذاك أحمد أبوالغيط واللواء عمر سليمان مع قيادات الحزب الحاكم في السودان لمناقشة خطة اتحاد كونفدرالي بين مصر السودان؛ ينقذ السودان من التفكك، ويحقق أحلام الجنوبيين في الحكم الذاتي الواسع دون انفصال؛ في إطار اتحاد واسع يجمع مصر والسودان شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، ويطفئ الحرائق المشتعلة في دارفور وجنوب كردفان، وابيي، وجبال النوبة، وغيرها، ويحقق حلم التنمية التي تجعل الثروة كافية فلا حروب لاقتسام الفتات والفقر، ويقوم على رؤية ديمقراطية واسعة تجعل اقتسام السلطة من أخبار الماضي السحيق، حلم التيجاني حلم جميل? ولكنه ظل حلما، بل قد يكون قد تحول كابوسا عند أمثالي من الحالمين بوحدة بين مصر والسودان وإن طال الأجل.
بعدها مباشرة حدث الانفصال بين شمال السودان وجنوبه، وقامت ثورة يناير ٢٠١١، وأشيع أن كل من دخل مصر من عناصر حماس، وحزب الله، والحرس الثوري الإيراني جاء من السودان، ثم قدمت السودان أول تبرع لحزب الحرية والعدالة بمقدار عشرة ملايين من الدولارات، وتحول السودان إلى لاعب رئيسي في معادلة السياسة المصرية تحت مظلة مكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة، ثم فتح حدوده لتهريب الإخوان بعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣، ورجعت السياسة بوجهها القبيح لتعيد الحفر في أخدود الشقاق بين مصر والسودان، وهي أدوار تبادلتها النخب الحاكمة من كلا الطرفين في أوقات مختلفة منذ ١٩٥٤ وحتى اليوم.
وحينما كان السودان هو وجهة رئيس مصر في أول زيارة خارجية له بعد انتخابه، ثم تلتها بعد شهور زيارة رئيس السودان، وتم الحديث عن تفعيل الحريات الأربع بين البلدين، حينها استيقظ حلم التيجاني في عقلي وقلبي، وبدأت أشعر أنه قد يتحقق؛ خصوصا في ظل الرؤية الاستراتيجية للقيادة المصرية الجديدة التي تدرك الأبعاد العميقة للأمن القومي لمصر والسودان بغض النظر عن التطورات السلبية التي لحقت العلاقات في عهد حسني مبارك عامة، وفي فترة حكم الانقاذ في السودان خاصة.
ولتحقيق هذا الحلم لابد من تحرك النخب المثقفة في الجنوب والشمال، أي في السودان ومصر، لفتح جميع الملفات، ومناقشة جميع الهموم، والتراكمات التاريخية، بعقل مفتوح، ولابد من وضع جميع أساطير العلاقات المصرية – السودانية منذ أسرة محمد علي وحتى اليوم على طاولة النقاش، وتقديم جميع الرؤى والمنظورات، وإخضاعها للتحليل والمراجعة، والتمحيص التاريخي والاجتماعي، وتحويلها من أساطير خلقتها ورسختها نخب سياسية، وأيديولوجية ذات مصالح خاصة؛ إلى ملفات تاريخية واجتماعية لابد من فهمها في السياق الاجتماعي الأوسع، حينها سيجد أبناء الصعيد في مصر أنهم شركاء لأبناء عمومتهم السودانيين في كل الملفات، يتشاركون معهم كل مرارات التاريخ، عندئذ نستطيع أن نتحرك للمستقبل معا، وقد ننجح في إعادة جنوب السودان إلي حلم التيجاني.

الوفد

تعليق واحد

  1. اقتباس-ولتحقيق هذا الحلم لابد من تحرك النخب المثقفة في الجنوب والشمال، أي في السودان ومصر، لفتح جميع الملفات، ومناقشة جميع الهموم، والتراكمات التاريخية، بعقل مفتوح، ولابد من وضع جميع أساطير العلاقات المصرية – السودانية منذ أسرة محمد علي وحتى اليوم على طاولة النقاش، وتقديم جميع الرؤى والمنظورات، وإخضاعها للتحليل والمراجعة، والتمحيص التاريخي والاجتماعي، وتحويلها من أساطير خلقتها ورسختها نخب سياسية، وأيديولوجية ذات مصالح خاصة؛ إلى ملفات تاريخية واجتماعية لابد من فهمها في السياق الاجتماعي الأوسع،-انتهى الاقتباس

    الاحلام العظيمة تتحقق عندما نجعل لها ارجل تسير عليها…ما هي درجة وعي المواطن المصري بالسودان حضارتا وفكرا وثقافة وابداعا…غير المامبو السوداني ؟ ومن المسؤال عن هذا الوعي ؟؟
    عشان يتحقق حلمك وحلم د.التجاني عبدالقادر”الاخواني ” ود.حيدر ابراهيم”الشيوعي”
    تعمل وزارة الاعلام المصرية
    فضائية ومجلة وجريدة -تعرف المواطن المصري بالسودان حضارتا وتاريخا وفكرا وثقافة وابداعا…وسياسيا ايضا…
    وايضا كما تكرمت اقامة منتدى مصري سوداني فكري ثقافي سياسي لمعالجة الماضي من زمن بعانخي الى عمر البشير وعبر الفضاء المفتوح وشهود الشعبين المصري والسوداني في الفضائيات..عبر المفكرين الحقيقيين من البلدين…

  2. لتجاني عبد القادر عملة نادرة في الرجال ..ركل إخوة الأمس بقدميه ..أبغضهم في الله ..رفض الوزارات التي عرضوها له ..أبت نفسه مالهم الحرام .هاجر تاركا” لهم السودان كي يعربدوا فيه كما ترون ..الرجل أستاذي في جامعة الخرطوم ..كان نعم الأستاذ رغم اختلافنا معه ..لايشبه هؤولاء سبحان الله ..كمال نصر

  3. لتجاني عبد القادر عملة نادرة في الرجال ..ركل إخوة الأمس بقدميه ..أبغضهم في الله ..رفض الوزارات التي عرضوها له ..أبت نفسه مالهم الحرام .هاجر تاركا” لهم السودان كي يعربدوا فيه كما ترون ..الرجل أستاذي في جامعة الخرطوم ..كان نعم الأستاذ رغم اختلافنا معه ..لايشبه هؤولاء سبحان الله ..كمال نصر

  4. الشكوك والمظالم التاريخية وعدم إبداء حسن النية هي المتاريس التي وقفت حائلاً دون أي نوع من أنواع الاتحادات مع مصر، وهي التي قسمت السودان إلى سودانيين.
    ساعد الإعلام المصري ذو النبرة المتعالية العالية في تعميق عدم الثقة بين السودان ومصر، كما ساعد الإعلام الغربي في اتساع الهوة بين شمال السودان وجنوبه….

    لم تزل الفرص سانحة، إذا صدقت النوايا والعزائم… وتوافرت النوايا الحسنة في مصر تجاه السودان، وفي الخرطوم تجاه جوبا………

  5. يبدو أن الأخ ساهر من الذين يحبون إلقاء اللوم والفشل على العنصر الخارجي: يقول أن الاعلام الغربي هو من ساهم في توسيع الشرخ بين الجنوب والشمال كأنه لا يعلم جرائم النخبة الشمالية من عسكر ومدنيين على أهل الجنوب منذ الاستقلال المزيف من الانجليز وحتى تاريخ استقلال الجنوب. كما أنه يدعي عدم معرفة باساءات الطيب مصطفي وزمرته اللعينة في جريدة (الانتباهة) طوال الفترة الانتقالية لجميع أهل الهامش من الجنوب ودارفور والنوبة مثل القول بأنهم سرطان يجب قطعه أو أصحاب خمور ومجرمين وأهل مخدران ودعارة إلى غير من مما لا تجده إلا في عقل الطبقة العنصرية القذرة التي سيطرت على البلاد منذ أكثر من نصف قرن. كيف يمكن للآخرين الانضمام إلى حلول … أية حلول والبعض يتهرب من الاقرار بجرائمه التي ارتكبت نهاراً جهاراً أمام الناس؟!

  6. حزب الوفد حزب نخب وصفوة وله علاقة مجهولة من الاخوان في السودان .. والتيجاني عبد القادر وان كان قد اعتزل السياسة الا انه من الاخوان المسلمين الذين تشربوا بفكر الحركة الاسلامية والحركة الاسلامية هي حركة اقصاء للآخرين وظلم للناس اجمعين فهي التي ابتدعت سياسة التمكين باسم الدين .. مما ادى الى هجرة الكثير من السودانيين هجرة نهائية ولم يعرف السودانين طلبات اللجوء السياسي او الهجرة الابدية الدائمة او البحث عن التجنس الا في عهد هذه الحكومة الظالمة ولو قامت الحكومة بعمل احصائية عن عدد المهاجرين الذين غادروا البلاد من بداية ثورة الانقاذ عام 1989م حتى تاريخه لوجدت أن اعدادهم تفوق اعداد السودانيين الذين هاجروا من السودان منذ الاستقلال وحتى قيام ثورة الانقاذ بمئات المرات ويكفي هذا دليل على تردي اوضاع السودانيين..

    الحمد لله ان حلم التجاني لم يتحقق لأنه لو تحقق فإنه كانت الكونفدرالية ستكون اسوأ كونفدرالية ظالمة بين حكومة جاءت على ظهر دبابة مع حكومة غير شرعية ادت الى تشريد السودانيين والى التهاب كل اجزاء السودان بسبب الحروب المقصودة من حزب الاخوان وستكون الكونفدرالية المقترحة مفيدة فقط للاخوان المسلمين في البلدين بل مفيدة للجهات الخارجية والصيهونية العالمية التي لا تريد للدول العربية الاستقرار لأنها هي التي انشأت حزب الاخوان المسلمين وتدافع عنه سرا وعلانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..