
في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، يقف “جيل Z” العربي عند مفترق طرق لم يسبقه إليه أي جيل آخر. هذا الجيل لم يستيقظ على التكنولوجيا بل ولد في أحضانها؛ لم يتعلم استخدام “الإنترنت” كأداة طارئة، بل وجد العالم مُشفراً داخل شاشات زجاجية صغيرة لم تفارق راحة يده منذ طفولته.
لكن الأزمة لا تكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في السيولة الفكرية والثقافية التي جرفتها معها. ففي الوقت الذي خاضت فيه الأجيال السابقة معاركها الفكرية عبر الكتب والمجلات وندوات الجامعات، يجد الشاب العربي اليوم نفسه محاصراً بوارادات لا حصر لها من الخوارزميات، تعيد تشكيل وعيه، وتصيغ قناعاته، وتحدّد معايير “النجاح” و”الجمال” و”الانتماء” لديه عبر المقاطع القصيرة.
الخوارزمية كمعلم ومربٍّ جديد
لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات للتسلية، بل أصبحت الموجّه الأساسي للإدراك. من خلال خوارزميات صُممت بعناية فائقة لزيادة الاستهلاك ومخاطبة مراكز اللذة النفسية، بات المقطع الذي لا يتجاوز ثوانٍ معدودة هو الذي يحدد للشاب العربي ما يُقرأ، وما يُشترى، وحتى ما يُعتقد!
هذا الضخ المستمر خلق حالة من السطحية القسرية؛ فالأفكار المعقدة والقضايا المصيرية التي تتطلب تفكيرًا نقديًا ووعيًا تاريخيًا، يُعاد ضغطها في “تريند” عابر، مما يجرّد القضايا الكبرى من عمقها الإنساني والفلسفي، ويحولها إلى مجرد محتوى سريع يبحث عن الإعجابات.
أزمة الهوية: بين الواقع والافتراض
يعيش الشاب العربي اليوم حالة حادة من الفصام الإدراكي. من جهة، هو ابن مجتمعات تعاني من أزمات اقتصادية، وضغوط سياسية، وتحديات اجتماعية مركبة. ومن جهة أخرى، يفتح هاتفه ليرى عالماً افتراضياً له بريق خادع، حيث “المؤثرون” يروجون للثراء السريع، السفر المستمر، والمثالية الشكلية.
هذا التناقض بين الواقع العربي المجهد والصورة الرقمية البراقة أنتج حالة من الاحتراق النفسي، وتدنياً في تقدير الذات، بل وأحياناً شعوراً بالغربة والتبرؤ من البيئة المحلية والهوية الثقافية والدينية، باعتبارها “عائقاً” أمام التحضر الرقمي الذي تروج له الشاشات.
إعادة تعريف الرموز والقدوات
في الماضي، كان القدوة يُصنع بالمسيرة العلمية، أو الفكرية، أو النضالية. أما اليوم، فقد تراجعت الأفكار والرموز التقليدية لصالح صنّاع المحتوى. لم يعد المعيار هو “ماذا تقدم من عمق؟” بل “كم أرقام المتابعات لديك؟”.
هذا التحول أدى إلى تهميش المفكرين والعلماء لصالح أصحاب الاستعراض السريع. وحين يصبح الرمز مجرداً من أي حمولة فكرية أو قيمة أخلاقية متينة، يصبح جيل بأكمله عرضة للانجراف خلف أي صرعة فكرية قادمة من ورائيات الشاشات.
بين الاستهلاك والاسترداد: كيف ننقذ الوعي؟
ليس المطلوب الاستسلام لسوداوية المشهد، ولا الانكفاء والدعوة لقطع التكنولوجيا والعيش في الماضي؛ فهذا ضرب من الخيال. كما أن جيل Z العربي يمتلك إمكانيات ذكاء وطاقة إبداعية وانفتاحاً عالمياً غير مسبوق، وأثبت في العديد من المحطات قدرته على استخدام هذه الأدوات لخدمة قضاياه العادلة.
إن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة بناء الوعي النقدي عبر ثلاث خطوات أساسية:
1. فهم الخوارزميات: إدراك الشباب أن ما يظهر على الشاشات ليس الحقيقة الكاملة، بل هو ما يُراد لهم رؤيته لزيادة تفاعلهم.
2. استعادة القراءة المتمهلة: تعويد النفس على الخروج من سجن المقاطع السريعة، والعودة إلى القراءة والتحليل التي تبني العقل ولا تكتفي بإثارة العاطفة.
3. جسر الفجوة مع المؤسسات: أن تبدأ المؤسسات التربوية والثقافية بفهم لغة هذا الجيل وأدواته، لمساعدته على صياغة هويته الخاصة بوعي وأصالة بدلاً من الاكتفاء بالوعظ.
خاتمة
إن جيل Z العربي ليس جيلًا ضائعاً، بل هو جيل تحدٍّ يواجه اقسى عملية إعادة تشكيل وعي في التاريخ الحديث. وإن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق بمنع التقنية، بل بمدى قدرة هذا الجيل على امتلاك زمام أمره، ليكون هو من يستخدم الشاشة، لا أن تكون الشاشة هي من تستخدمه.



