
إبراهيم هباني
لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع مسلح طال أمده، بل تحولت إلى معضلة بنيوية تمس جوهر الدولة ووظيفتها. ففي اللحظة التي يصبح فيها الجيش عبئا سياسيا على الدولة، لا أداة لحمايتها، تكون البلاد قد عبرت إلى طور أخطر من الحرب نفسها.
التحذير الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عكس هذا الإدراك بوضوح. فقد عبّر نائب المتحدث باسمها تومي بيجوت عن قلق بالغ من خطاب قائد الجيش السوداني في تركيا، في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. لم يكن ذلك توصيفا إنسانيا فقط، بل تشخيصا سياسيا لمصدر التعطيل.
لكن القراءة الأعمق للأزمة تقود إلى سؤال ظل مؤجلا طويلا، يتعلق بطبيعة السيطرة داخل المؤسسة العسكرية ودولاب الدولة. فالجيش السوداني لم يعد كيانا مهنيا مستقلا بالمعنى التقليدي، بل بات واقعا تحت هيمنة تنظيمية ممتدة لـ الإخوان المسلمون، نجحت خلال سنوات حكم الإسلاميين وما بعدها في إعادة إنتاج نفوذها داخل مفاصل القيادة والاستخبارات والاقتصاد الموازي. هذه الهيمنة لم تتجسد في الشعارات، بل في شبكة مصالح وتمكين عميقة تربط القرار العسكري بالقرار السياسي وباقتصاد الحرب.
هنا تتضح المعضلة. فحين يرفض الجيش مسارات التهدئة، لا يفعل ذلك فقط بدافع الحسابات العسكرية، بل دفاعا عن منظومة نفوذ تخشى أن يؤدي أي انتقال سياسي حقيقي إلى تفكيكها. ولهذا السبب تحديدا، فإن خطاب الحل العسكري يصبح ضرورة وجودية لهذه الشبكات، لا خيارا ميدانيا قابلا للمراجعة.
تحركات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الخارجية لا تنفصل عن هذا السياق. من بورتسودان إلى اسطنبول، ومن الرياض إلى القاهرة، تبدو كمساع لشراء الوقت وحماية توازنات داخلية هشة. ولقاءاته مع قيادات إخوانية في تركيا لم تكن تفصيلا عرضيا، بل مؤشرا على عمق العلاقة بين القيادة العسكرية والتنظيم الذي ظل لسنوات يختبئ خلف واجهة الدولة.
بالنسبة لواشنطن وحلفائها، فإن المشكلة لم تعد في سلوك فردي أو تصريح عابر، بل في بنية قرار مختطف. الجيش الذي يُفترض أن يكون ركيزة الاستقرار أصبح واجهة سياسية لتنظيم أيديولوجي، والدولة تحولت إلى منصة صراع، لا إطارا جامعا. في مثل هذه الحالة، لا يعود البرهان مجرد قائد متشدد، بل تعبيرا عن منظومة كاملة ترى في السلام تهديدا وفي التفاوض خطرا.
ولهذا يتبدل السؤال الدولي تدريجيا من كيفية دفع الجيش إلى التفاوض، إلى كيفية التعامل مع جيش مخترق تنظيميا. ماذا لو خلص العالم إلى أن المشكلة ليست في الحرب وحدها، بل في من يديرها ولمصلحة من تطول. وماذا لو تقرر أن إنهاء الحرب يمر أولا عبر تفكيك هذه الهيمنة التي عطلت الدولة وأفرغت الجيش من دوره الوطني.
السودان اليوم أمام مفترق لا يحتمل المناورة. فالوقت لم يعد في صالح من يراهن على السلاح أو على شبكات الماضي. إما استعادة الجيش كمؤسسة وطنية خالصة، أو استمرار الانزلاق نحو دولة أسيرة لتنظيم وحرب بلا نهاية.




مع كامل ادراكي لوطنية وحسن نية الكثير من المحللين السياسيين الشباب ، ومن ضمنهم ابننا ابراهيم هباني ، الا انهم يخطئون فهم التسلسل التاريخي والفكرى والسياسي للبلاد ، ابتداء من فترة ما قبل الاستقلال بقليل وانعكاسات تلك الفترة على الواقع الحاضر ، بخاصة فيما يتعلق بحركة أخوان الشيطان والجيش السوداني . فهذا الجيش لم يكن وطنيا في أي يوم من الأيام ، وقد ولد قبل الاستقلال بعامين – 1954م – بهدف قمع التظاهرات وحماية وجود المستعمر . ومنذ ذلك التاريخ ظل هذا الجيش المجرم وبالا على البلاد بعد أن أرتكب منذ ذلك التاريخ أهوالا ومجازر يشيب من هولها الولدان . وقد ظلت البلاد منذ ذلك التاريخ تحت طائلة سلسلة منن الانقلابات العسكرية الغاشمة أستولي الجيش على أثرها على أكثر من 80% من اقتصاد البلاد . وحديثك عن أن “الجيش (لم يعد) مهنيا أو مستقلا في يوم من الأيام” ينم عن عدم ادراكك لتاريخ وطبيعة هذا الجيش الذي لم يكن مهنيا أو مستقلا في أي يوم من الأيام . وبعد الظهور الفعلي لأخوان الشسيطان في الساحة بعد فترة من استقلال البلاد “انضم التعيس الى خائب الرجاء” ، وكانت نتيجة هذا التلاقح غير
الشرعي الحرب الكارثية الحالية . وخلاصة القول أن الكيزان شر مستطير ، ولكن الجيش هو الشيطان الأكبر ، لهذا ظل الشعب السوداني يرزح تحت مطرقة الكيزان وسندان الجيش . فهذا الجيش لم يكن حلا في يوم من الأيام ، وانما ظل يمثل أزمة من ميلاده .
تحياتي اخي المعلق ،،ما قلته هو الواقع تماما ، ولن تنتهي ازمات السودان الا باقتلاع هذا الجيش من جذوره ، وتكوين حكومة مدنية كاملة وبعد تشكيلة الحكومة تحت الحماية الشعبية الشاملة يتم تكوين جيش وطني فاعل بارادة الشعب وتوجيههه