مقالات وآراء

الغربة: كيف ننسى الوطن شيئًا فشيئًا

عبد الله خليل

الغربة: الزهايمر الذي نختاره
لا يحدث نسيان الوطن فجأة، ولا يكون قرارًا واعيًا كما يُتَّهَم المغتربون أحيانًا. هو مسار بطيء، صامت، يبدأ مع أول محاولة جادّة للتكيّف، ويتقدّم كلما طال أمد الغياب. في بداياتها، تبدو الغربة كأنها صفقة رابحة: تمنح الإنسان فرصة، أمانًا نسبيًا، ومسافة من الخوف أو الاضطراب. لكنها، مع مرور الوقت، تبدأ في اقتطاع أثمن ما لديه: العمر، والدفء الإنساني، والذاكرة اليومية.
في هذا السياق، لا يصبح النسيان خيانة، بل وظيفة نفسية ضرورية. فالعقل، كي يستمر، يتعلّم كيف يُخفّف وطأة الحنين، وكيف يؤجّل استدعاء الوطن من مركز الوعي إلى أطرافه. وهكذا، شيئًا فشيئًا، ينتقل الوطن من كونه تفصيلًا يوميًا إلى صورة عامة، ثم إلى ذكرى تُستحضر عند اللزوم فقط.
الغربة لا تمحو الوطن، لكنها تعيد ترتيبه داخل الذاكرة. فالحياة الجديدة تفرض إيقاعها، ولغتها، وقوانينها غير المكتوبة. ومع هذا الإيقاع، يتراجع الحضور اليومي للوطن لصالح متطلبات العيش والاستقرار. يحتفظ الإنسان بما يريحه، ويتجنّب استدعاء ما يؤلمه، في ما يمكن وصفه بزهايمرٍ اختياريّ، لا يُفقد الذاكرة، بل يعلّقها مؤقتًا.

أما حين أتحدّث عن الغربة، فإنني أتحدّث حديث العارف لا المتخيّل. عرفت الغربة عبر أربعة جوازات سفر، في كل واحدٍ منها صفحات تحمل قصة، أو بداية، أو فراقًا مؤجّلًا. انقطعت عن الوطن قرابة بضعة وثلاثين عامًا دفعةً واحدة، مرّت خلالها أفراحٌ لم أحضرها، وأتراحٌ لم أُعزِّ فيها، وزيجاتٌ تمّت، ونزوحٌ حدث، وقبورٌ امتلأت بأعزاء، بينما كنتُ بلا عزاء سوى الذاكرة والدمع.
، اطّلعت hgd,l على صفحتي في «فيسبوك»، فوجدت نعيًا كتبه شاب بالكنية والزيّ القومي السعودي ، ينعي فيه متوفّى. لم أكن أعرفه، لكنني بدافع الفضول الإنساني رفعت الصفحة لأعرف من الفقيد، ولأقدّم العزاء. كلما قرأت، فوجئت بأن الأسماء سودانية، وأن الأسرة سودانية، وأن السياق كلّه يشبهني أكثر مما يشبه الغريب. تساءلت، بدهشة صامتة:
واصلت قراءة النعي، حتى وصلت إلى عبارة: «وابن عمة فلان». توقّفت. فلان هو زوج أختي، رحمه الله. عندها فقط تجمّعت خيوط الذاكرة. أدركت أن كاتب النعي هو حفيد أختي، وأن والده—ومن مفارقات الغربة القاسية—كنت قد ودّعته في مطار الخرطوم عام 1982، ولم أره منذ ذلك اليوم. حدّثني لاحقًا عن ابنه الذي تزوّج وأنجب في الرياض، بينما بقيت أنا أعدّ السنوات، وأؤجّل الدهشة.
في تلك اللحظة، فهمت المعنى كاملًا: الوطن لم يُنسَ، لكنه أعاد ترتيب نفسه بعيدًا عني. العائلة كبرت، تشعّبت، واستمرّت، بينما كنتُ أتابعها من مسافة، أقرأ أسماءها كما تُقرأ أخبار بلدٍ آخر. الغربة لا تُسقط الوطن من الوجدان، لكنها تغيّر طريقة حضوره، وتنقله من المساحة اليومية الصاخبة إلى العمق الصامت. ننسى الوطن شيئًا فشيئًا لأننا نحاول أن نعيش، لا لأننا نكفر بالذاكرة. وفي النهاية، يبقى الوطن حاضرًا بطريقة أقل استهلاكًا، وأكثر وجعًا حين يعود فجأة، بلا مقدمات.

تعليق واحد

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اولا اول اعراض الزهايمر كان رحلتنا في الغربه الي ليبيا الحبيبه عام ١٩٨٥ وليس عام ١٩٨٢ كنت انا وانت وكمال سيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..