ما لا تقوله الإحصاءات عن النزوح السوداني

ماجد عرمان
كل رقم في إحصاءات النزوح يخفي إنسانا فقد ترتيب حياته، لا مكانه فحسب. فالنازح السوداني ليس شخصا غادر موقعه الجغرافي، بل إنسان اقتلع من بيته الذي كان يمنح المكان معناه. حين يجبر الإنسان على الرحيل، لا يترك خلفه الجدران وحدها، بل يترك تسلسل أيامه، وعاداته الصغيرة، وإحساسه البسيط بأن الغد امتداد طبيعي لليوم. النزوح ليس حركة في الجغرافيا، بل انكسار عميق في علاقة الإنسان بالعالم.
تبدو معاناة النازحين أوسع من أن تختصر في صور الخيام أو طوابير الانتظار. ما لا يظهر في التقارير هو هذا التعب الداخلي، هذا الإحساس بأن الحياة صارت مؤقتة على نحو موجع، وأن كل ما هو قائم قابل للزوال في أي لحظة. النازح يعيش بلا افتراضات مستقرة، لا يفترض الأمان، ولا الاستمرار، ولا حتى الحق في الاعتياد. يصبح اليوم وحدة مكتفية بذاتها، بلا وعد واضح بما بعدها.
وتزداد قسوة هذه التجربة حين نعلم أن أغلب النازحين لم يكونوا أطرافا في صراع، ولا أصحاب سلطة أو قرار. كانوا أناسا منشغلين بحياة عادية، دراسة، عمل، سعي يومي لبناء مستقبل هادئ. كثيرون منهم حققوا نجاحهم بتعب طويل وإيمان صامت بأن الاستقرار ممكن، وأن الجهد لا يضيع سدى. لكن الحرب لا تعترف بهذه المعاني، اقتلعتهم من بيوتهم قهرا، كأن الحياة المنظمة صارت تهمة، وكأن النجاح ذاته جريمة تستوجب العقاب. بعد النزوح، تبدلت الأحوال على نحو فادح. من لجأوا إلى دول الجوار بدوا كأشخاص لا يشبهون ذواتهم السابقة إلا في الأسماء. أناس كانوا يخططون للغد بثقة، صاروا يتعاملون مع اليوم بحذر. لم يكن الفقد ماديا فقط، بل وجوديا، إحساس ثقيل بأن العدالة ليست مكسورة فحسب، بل غائبة. بعضهم لم يحتمل هذا الانكسار الطويل، فماتوا قهرا، لا لأن الجسد انهار وحده، بل لأن المعنى الذي كان يسنده تآكل ببطء. فالقهر، حين يطول، لا يقتل بالضجيج، بل بالصمت، ولا يترك أثرا مرئيا، لكنه يطفئ الإنسان في جوهره.
يعيش معظم النازحين على هامش النجاة. سؤالهم اليومي بسيط وقاس في آن، كيف نستمر؟ وكيف نمنح هذا الاستمرار معنى لا يشبه الاستسلام؟ التاريخ يحب الخلاصات الواضحة والنهايات الحاسمة، لكنه يتعثر أمام النازحين، لأنهم يعيشون في منطقة لا تصلح للنهايات. هم الدليل الحي على أن الحرب لا تنتهي حين تصمت البنادق، بل حين يستعيد الإنسان قدرته على تخيل نفسه داخل حياة مفهومة.
النازح يعيش حالة وجودية معلقة، لا هو في وطنه، ولا هو خارج علاقته به. الوطن يتحول إلى ذكرى موجعة، لا تصلح للعيش، ولا يمكن التخلي عنها. في هذا التعليق القاسي، تستنزف الذات ببطء. فالإنسان لا يحتاج إلى مكان بوصفه نقطة على الخريطة فقط، بل بوصفه معنى يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. وحين ينكسر هذا الرابط، يصبح الاستمرار فعلا شاقا يتطلب شجاعة صامتة لا يراها أحد.
معاناة النازحين لا تقتصر على نقص الغذاء أو الدواء، بل تتجسد في هذا التآكل الداخلي للإحساس بالجدوى. أن تستيقظ وأنت لا تعرف إن كان لما تفعله اليوم صدى غدا، وأن تنام وأنت غير متأكد إن كان المكان الذي آويت إليه سيظل مأوى في الصباح. هذا القلق الوجودي لا يقاس، ولا يدرج في التقارير، لكنه يترك أثره العميق في النفوس.
وحين ينظر العالم إلى النازحين السودانيين، غالبا ما يراهم كأزمة إنسانية عابرة، لا كمرآة أخلاقية. كأن المعاناة حدث طارئ، لا نتيجة لمسار طويل من الإهمال والعنف وفشل الدولة. لكن النازح ليس تفصيلا في مأساة أكبر، هو جوهرها، والدليل على أن الحرب حين تقع لا تدمر البيوت فقط، بل تزعزع الفكرة التي تجعل الحياة ممكنة.
ورغم ذلك، يستمر النازحون. لا لأنهم وجدوا إجابة شافية، بل لأن الاستمرار ذاته صار إجابة مؤقتة. في هذا الاستمرار الصامت تكمن مقاومة من نوع آخر، مقاومة النسيان، ومقاومة الاختزال، ومقاومة تحويل الإنسان إلى رقم. ربما لا يملكون لغة عالية للدفاع عن أنفسهم، لكن وجودهم المستمر هو احتجاج أخلاقي على عالم اعتاد تجاوز الألم ما دام لا يهدد راحته.



