مقالات وآراء

حرب الشرق الأوسط المشتعلة: بين إعادة رسم موازين القوى وصمود طهران

الصادق بوش

يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد حدة الضربات بين امريكا واسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فالتغير الدراماتيكي في مسار هذه المواجهة المشتعلة لا يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشرين، بل قد يمتد ليعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط وفق شروط الطرف الذي سيتمكن من فرض تفوقه في نهاية المطاف.
في حال تمكن المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق نصر واضح، سواء عبر إضعاف إيران بشكل كبير أو دفعها إلى القبول بتسوية قسرية، فمن المرجح أن تشهد المنطقة ترتيبات إقليمية جديدة تعزز النفوذ السياسي والعسكري لهذا المعسكر. وقد ينعكس ذلك في إعادة رسم موازين القوى، بما يحد من قدرة القوى الإقليمية المناوئة على التأثير في مسارات الأمن والاستقرار في المنطقة.
في المقابل، إذا نجحت إيران في إطالة أمد الصراع واستنزاف خصومها، فقد يؤدي ذلك إلى تحولات أوسع لا تقتصر على الإقليم فحسب، بل قد تمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته. غير أن تحقق هذا السيناريو يبقى مرهوناً بمدى حصول طهران على دعم مباشر أو غير مباشر من قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، سواء في المجال العسكري أو اللوجستي أو الاستخباراتي. ومع ذلك، فإن هذا النوع من الدعم يواجه تحديات كبيرة في ظل التفوق الجوي والتكنولوجي الذي تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل في مسرح العمليات.
أما احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين القوى العظمى، فيظل احتمالاً ضعيفاً في الوقت الراهن. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، قد تتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة غير مضمونة النتائج، خاصة إذا كانت قد تهدد موقعها القيادي في النظام الدولي الذي ترسخ منذ نهاية الحرب من اجل الحضارة كما أطلق عليها الأمريكيون.
وفي حال ثبوت وجود دعم غير مباشر لإيران من أطراف دولية أخرى، قد تلجأ واشنطن إلى أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، مثل العقوبات، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي السياق ذاته، قد يرتبط مستوى الدور الروسي في الأزمة باتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها موسكو مع طهران في يناير من العام الماضي، والتي تنص على تعزيز التعاون الدفاعي وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين. وقد يفسر هذا الإطار القانوني والسياسي بعض أشكال التنسيق أو الدعم التي قد تظهر خلال مراحل الصراع.
أما دول الخليج العربي، فإنها قد تجد نفسها في موقع حساس ضمن هذه المعادلة المتوترة. فوجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضي بعض هذه الدول، والتي جاءت في إطار ترتيبات أمنية وتحالفات دفاعية مع واشنطن، قد يجعل أراضيها جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي. كما قد يزيد ذلك من تعقيد علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية التي تنظر إلى هذه القواعد باعتبارها منصات محتملة لعمليات عسكرية ضدها.
من جهتها، تنظر إسرائيل إلى صراعاتها في المنطقة باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت أركان وجودها وتعزيز أمنها القومي. وفي هذا السياق، ترى أن تحييد أو إضعاف القوى الإقليمية التي تعتبرها تهديداً مباشراً أو غير مباشر يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار والأمن داخل حدودها.
وسط هذه المعادلة المعقدة، يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع طهران الصمود لفترة طويلة في مواجهة ضغوط عسكرية وسياسية بهذا الحجم؟
تشير العديد من التقديرات إلى أن إيران استعدت منذ سنوات لسيناريو المواجهة الشاملة، خاصة عبر تطوير منظومة صاروخية متقدمة ومتنوعة. وقد ظهرت بعض ملامح هذه القدرات خلال الضربات التي استهدفت منشآت حيوية لخصومها، بما في ذلك منصات رادار عالية التكلفة ومواقع استراتيجية أخرى، إضافة إلى وصول بعض الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي رغم منظومات الدفاع الجوي المتطورة.
وفي السياق السياسي الداخلي لطهران، قد يُنظر إلى صعود مجتبي علي خامنئي إلى موقع القيادة خلفاً لوالده بوصفه مؤشراً على رغبة المؤسسة الحاكمة في طهران في الحفاظ على استمرارية نهجها السياسي والاستراتيجي، بما في ذلك الاستعداد لمواجهة طويلة الأمد إذا اقتضت الظروف ذلك.
خارج السياق الإقليمي، يظل ميناء بورسودان أحد الملفات ذات الحساسية الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر. هل سيظل منطقة تجارة حرة مفتوحة، ولا يتم بيعه لأي جهة خارجية، كما لن يسمح بإقامة قاعدة عسكرية فيه قد تشكل تهديداً لدول الجوار أو تخل بتوازنات الأمن الإقليمي.
ختامآ، تبقى المنطقة أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل معادلات القوة فيها لسنوات طويلة قادمة، حيث سيتحدد مستقبلها إلى حد كبير بقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الصراع، أو احتوائه قبل أن يتحول إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الإقليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..