
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بما تتركه خلفها من فراغات. ومنذ تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، يعود سؤال قديم بصيغة أكثر قسوة: هل تسعى الولايات المتحدة فعلًا إلى حسم الصراع مع إيران، أم إلى إدارته وترك نتائجه تتكفّل بالباقي؟ الفرضية التي تقول إن واشنطن قد تورط حلفاءها في الخليج ثم تخفف انخراطها ليست خيالًا سياسيًا، بل امتداد لنمط تاريخي متكرر. من حرب العراق إلى الانسحاب من أفغانستان، يتكرر المشهد ذاته: تدخل عسكري مكثف، تحقيق أهداف جزئية أو رمزية، ثم انسحاب يترك خلفه توازنات هشة وصراعات مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها.
في حالة إيران، لا يبدو أن الهدف الأمريكي هو إسقاط النظام بقدر ما هو إعادة ضبط سلوكه. العقوبات الاقتصادية، الضربات المحدودة، وحروب الظل، كلها أدوات ضغط أكثر منها أدوات حسم. لكن هذه الاستراتيجية، وإن نجحت تكتيكيًا في إضعاف الخصم، فإنها استراتيجيًا تُنتج حالة ( لا حرب ولا سلم )
هنا تتجلى المعضلة الحقيقية: الولايات المتحدة لا تريد حربًا شاملة، لكنها أيضًا لا تقبل بصعود إيراني غير مقيد. هذا التردد الاستراتيجي يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في نقل عبء المواجهة تدريجيًا إلى الحلفاء. دول الخليج، بحكم الجغرافيا، ستكون في خط المواجهة الأول إذا تصاعد الصراع، لكن دون ضمان استمرار المظلة الأمريكية بنفس الشكل التقليدي. التاريخ لا يقدم إجابة مطمئنة في هذا السياق؛ ففي حرب الخليج الثانية كان التدخل الأمريكي مباشرًا وحاسمًا، أما اليوم فالمعادلة تغيرت، حيث أصبح الدعم ممكنًا، لكن الحسم الكامل لم يعد خيارًا مضمونًا.
سياسة الرئيس الأمريكي ترامب الذي يؤمن بالصفقات السريعة تعكس هذا التحول بوضوح. فهو لا يؤمن بالحروب الطويلة بقدر ما يؤمن بالضربات السريعة التي تُترجم إلى مكاسب سياسية داخلية. في هذا الإطار، يمكن تصور سيناريو يبدأ بتصعيد قوي أو ضربات محدودة لإيران، يتبعه إعلان سياسي عن “تحقيق الردع”، ثم تقليص للوجود العسكري. المشكلة أن هذا النمط لا ينهي الصراع، بل يعيد تشكيله في صورة أكثر تعقيدًا: حرب استنزاف طويلة، متعددة الجبهات، منخفضة الحدة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في استنزاف الدول والمجتمعات.
هذا النمط ليس استثناءً، بل هو جزء من تحوّل أوسع في الاستراتيجية الأمريكية. في الحرب في سوريا، أدى التردد الأمريكي إلى خلق فراغ ملأته قوى إقليمية ودولية، ما حوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وفي حرب فيتنام، انتهى التدخل الأمريكي بانسحاب لم يمنع سقوط الحلفاء. هذه السوابق لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تتخلى عن حلفائها بشكل مباشر، لكنها تشير إلى حقيقة أكثر تعقيدًا: الحليف في الاستراتيجية الأمريكية الحالية ليس ثابتًا، بل يرتبط بميزان المصالح المتغير.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة مع ما يجري في السودان، ليس بوصفه صراعًا محليًا معزولًا، بل كعرضٍ جانبي لتحول أكبر في بنية النظام الدولي. فعندما تنشغل القوى الكبرى بإعادة ترتيب أولوياتها، تتراجع أهمية إدارة الأطراف، وتُترك الدول الهشة خارج حسابات الحسم. هذا ما حدث في الحرب الأهلية الصومالية، حين تحولت البلاد إلى نموذج للفوضى الممتدة بعد انحسار الاهتمام الدولي، وما تكرر بشكل مأساوي في الإبادة الجماعية في رواندا، حين وقف العالم مترددًا أمام كارثة كان يمكن الحد منها. السودان اليوم ليس استثناءً، بل امتداد لهذا النمط: فراغ في الإرادة الدولية يقابله فائض في العنف المحلي والتدخلات الإقليمية. والخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار هذا النموذج على هامش النظام الدولي، بل في احتمالية انتقاله إلى مراكزه الحيوية. فإذا كانت دولة مثل السودان تُترك للفوضى تحت ضغط الصراع والإهمال، فإن السؤال الأكثر إزعاجًا هو: ماذا سيحدث إذا طُبّق المنطق ذاته في الخليج؟ حينها، لن تكون الفوضى أزمة محلية، بل صدمة تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، وتكشف أن النظام الدولي لم يعد عاجزًا عن حل الأزمات فحسب، بل أصبح يساهم في إعادة إنتاجها.
في هذا السياق، تبدو الحرب المحتملة مع إيران جزءًا من تحول أعمق في النظام العالمي، حيث تتراجع الهيمنة الأحادية لصالح نظام متعدد الأقطاب، تتوزع فيه الأدوار وتتشابك المصالح. لم تعد الحروب تُحسم بسرعة، بل تُدار عبر توازنات معقدة، وتحالفات مرنة، ومناطق نفوذ غير مستقرة. الشرق الأوسط، مرة أخرى، يتحول إلى ساحة اختبار جغرافي لهذا التحول، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن “إدارة الفوضى” غالبًا ما تنتهي بفوضى بلا إدارة.
في النهاية، قد لا تكون الفرضية القائلة إن الولايات المتحدة ستتخلى عن حلفائها دقيقة بالكامل، لكنها أيضًا ليست بعيدة عن الواقع. الحقيقة الأرجح أنها لن تتخلى كما في المخيلة الكلاسيكية، لكنها أيضًا لن تبقى كما في الماضي. ستدعم دون أن تحسم، وتتدخل دون أن تستمر، وتُعيد التموضع قبل أن تتضح النتائج. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا، تولد أخطر الحروب.
التاريخ لا يذكر فقط من أشعل الحروب، بل من غادرها أولًا. والإمبراطوريات لا تسقط حين تُهزم، بل حين تقرر أن كلفة البقاء أكبر من كلفة الرحيل. في تلك اللحظة تحديدًا، لا تنتهي الحروب… بل تبدأ مرحلتها الأكثر قسوة. لأن من ينسحب يملك خيار المغادرة، أما من يُترك خلفه فلا يملك سوى البقاء داخل الحريق. وفي عالم اليوم، حيث تُدار الحروب أكثر مما تُحسم، لم يعد السؤال من سيربح المواجهة، بل من سيُترك ليحمل عبء نهايتها وحده—ومن سيكتشف، متأخرًا، أنه لم يكن حليفًا في حرب، بل مجرد ساحة لها .

