البرهان والكباشي: وجهان لعملة الإخوان المسلمون .. أي انتماء يحسم الجدل بعد قرارات القيادة العسكرية؟
محمد عبدالله إبراهيم

ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال القرار في كونه مجرد “إبعاد” أو استهداف شخصي، بل يتعين قراءته ضمن سياق أوسع يعكس تصاعد التباينات داخل قمة الهرم العسكري بين البرهان والكباشي، لا سيما فيما يتعلق بمقاربة إدارة الحرب ومسارات التهدئة المحتملة. فالمعطيات المتداولة في دوائر القرار تشير إلى أن الكباشي أبدى انفتاحاً نسبياً تجاه خيارات الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، في مقابل تيار أكثر تشدداً داخل المؤسسة العسكرية يرفض أي مقاربات تفاوضية قد تفسر كتنازل استراتيجي، وعلى هذا النحو، يكتسب القرار دلالات أخرى باعتباره جزءاً من عملية إعادة تموضع داخلية، تحكمها حسابات دقيقة لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوى المختلفة، لا سيما أن الأوضاع داخل المؤسسة العسكرية تعكس وجود صراعات بنيوية معقدة بين تيارات متباينة، وهذه التيارات لا تتنافس على النفوذ وحده، بل على تحديد مسار الحرب وحدود التسوية الممكنة، وعليه فإن ما يبدو في ظاهره إجراءً تنظيمياً يخفي في عمقه صراعاً مكتوماً على اتجاه القرار الاستراتيجي داخل المؤسسة العسكرية، وربما يمتد إلى أبعد من ذلك ليشمل شكل الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.
وعلى الرغم من التكهنات العديدة التي أحاطت بقرار عبد الفتاح البرهان، إلا أن هناك حقيقة واحدة واضحة لا تحتاج إلى تعقيد أو تحليل معمق، وهي أن الفارق بين الرجلين ليس جوهرياً؛ فكلاهما يمثل واجهة لتنظيم الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية، ويعملان وفق توجهات وخطط تخدم مصالح التنظيم وتنسجم مع أهدافه الاستراتيجية، وبالتالي فإن أي صراع ظاهر بينهما هو جزء من صراع أوسع على النفوذ بين التيارات المختلفة داخل المؤسسة العسكرية السودانية. لذلك ينبغي قراءة القرار بعيداً عن تفسيره كخطوة فردية أو تحرك ضد شخصية بعينها، إذ هو في جوهره جزء من سلسلة تحولات استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة القوى داخل السلطة، وليس انعكاساً لاختلاف في المبادئ أو الرؤى بشأن مستقبل السودان.
إن منصب “مساعد لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي”، وإن بدا ظاهرياً أقل نفوذاً، فإنه في الواقع لا يخرج عن كونه إعادة تموضع ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على تماسك القيادة العسكرية وتنظيم توزيع الأدوار بما يخدم الأجندة غير المعلنة للتنظيم، ويضمن استمرار التوازن بين التيارات المختلفة داخل المؤسسة العسكرية. ففي الأنظمة الشمولية، أو تلك التي تتغلغل فيها التنظيمات السرية، غالباً ما تكون التغييرات في المناصب مجرد تكتيكات لإدارة الصراعات الداخلية أو لامتصاص الغضب الشعبي، دون المساس بالهيكل الأساسي للسلطة أو الأهداف الاستراتيجية للتنظيم الأم، مما يجعل كل حركة داخل المؤسسة العسكرية جزءاً من لعبة أكبر.
ومن هذا السياق، فإن الذين يروجون لتفسير القرار باعتباره استهدافاً للكباشي أو لأبناء الهامش ينطلقون من قراءة سطحية، أو من اعتبارات عاطفية أو مصلحية، متجاهلين النقطة الجوهرية التي ينبغي التركيز عليها، وهي أن البرهان والكباشي ينتميان إلى ذات التنظيم، أي تنظيم الإخوان المسلمين والمؤتمر الوطني البائد. فكلاهما من الكوادر العسكرية التي نشأت وترعرعت في كنف هذا التنظيم، وتشكلت وفق أفكاره وأجنداته، مما يجعلهما جزءاً من البنية الأيديولوجية ذاتها داخل المؤسسة العسكرية، وعليه فإن أي صراع ظاهر بين الرجلين لا يمكن تفسيره باعتباره استهدافاً لأبناء الهامش أو تعبيراً عن صراع مجتمعي، بل هو صراع نفوذ داخل “البيت الواحد” على مواقع اتخاذ القرار داخل المؤسسة العسكرية، ومن ثم فإن قراءة القرار من زاوية الهامش تمثل تبسيطاً مضللاً لواقع معقد تتحرك فيه القوى العسكرية والسياسية خلف أسوار السلطة، وتغفل الديناميكيات الداخلية واللعبات الاستراتيجية التي تشكل جوهر صناعة القرار داخل كابينة حكومة الأمر الواقع في السودان.
لقد كشفت الأحداث المتتالية منذ سقوط نظام البشير أن المؤسسة العسكرية، تحت قيادة البرهان والكباشي، عملت بصورة ممنهجة على إجهاض التحول الديمقراطي وضمان استمرار نفوذ الدولة العميقة المرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمين. فمن فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، مروراً بانقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى حرب 15 أبريل 2023، ظلت بصمات هذه الأجندة واضحة لكل من تابع المشهد السياسي. ويأتي ذلك على الرغم من ادعاء البرهان عدم وجود أي علاقة بين الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية، وهو ادعاء يتعارض مع الوقائع والمؤشرات على الأرض، وبغض النظر عن طبيعة منصب الكباشي الجديد، أو حتى في حال إحالته إلى التقاعد، فإن ذلك لا يعفيه من المسؤولية؛ إذ يظل الكباشي هو ذاته الضابط الإخواني المتورط في الجرائم التي ارتكبت بحق أبناء وبنات الشعب السوداني. فالكباشي إلى جانب البرهان، متهم بشكل مباشر في جريمة فض اعتصام القيادة العامة، التي راح ضحيتها المئات من الثوار الأبرياء، ولا يزال تصريحه الشهير “حدث ما حدث” في سياق تبرير تلك المجزرة عالقاً في ذاكرة الشعب السوداني والعالم كدليل على تورطه. كما يتحمل الرجلان المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، وعن انقلاب 25 أكتوبر الذي أطاح بالحكومة المدنية، إضافة إلى حرب 15 أبريل المدمرة التي تشهدها البلاد حالياً، والتي أسفرت عن مقتل الآلاف وتشريد الملايين.
إن إبعاد الكباشي أو أي ضابط إسلامي آخر عن أي موقع لا يغير من حقيقة كونه متورطاً في جرائم حرب تستوجب المساءلة، وعليه يجب حصر النقاش في هذه الحقيقة الجوهرية، دون الانجرار وراء الخطابات التي تسعى عن قصد أو غير قصد، إلى إلهاء الرأي العام وتصوير القضية كاستهداف أو إقصاء، والزج بها في إطار التهميش لاستمالة العاطفة. فهذا الاتجاه يبعد النقاش عن جوهر القضية، وهو المسؤولية والمحاسبة. فالمطالبة بالعدالة ليست خياراً سياسياً فحسب، بل هي حق شعبي أصيل لا يمكن التنازل عنه، ويجب أن يخضع كل المتورطين للمساءلة، سواء كانوا في مواقع قيادية، أو تم إبعادهم داخل المؤسسة العسكرية، أو حتى أُحيلوا إلى التقاعد، لأن المسؤولية الجنائية لا تسقط بتغيير المواقع أو المسميات الوظيفية أو إعادة التموضع داخل هرم السلطة.
إن قضية الكباشي وما يحيط بها من تحليلات تؤكد ضرورة اليقظة المستمرة لقوى الثورة والتغيير. فالمعركة ضد فلول النظام البائد وأذرعهم داخل المؤسسة العسكرية ليست صراعاً عابراً، بل هي معركة طويلة ومعقدة تتطلب وعياً عميقاً بطبيعة الخصم وتكتيكاته الخفية، ولا يمكن تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي دون محاسبة جميع المتورطين في الجرائم ضد الشعب، وتفكيك الدولة العميقة وبناء مؤسسات وطنية تخدم مصالح الشعب لا مصالح التنظيمات أو الأفراد.
محمد عبدالله إبراهيم
ناشط مدني ومدافع عن حقوق الانسان




الهامش, دا موصو واشرب مويتو.
مصطلح الهامش اصبح بضاعة بايرة ،ممجوجة، لن تزايدو بها علينا.
الما عاجبو يفصل اقليمه، وهو الحل الناجع .
غايتو خلقنةتعرفوها براكم
الجنجويد وصمود وجهان لعمله واحده وهى عمله شيطان العرب
اولا مع احترامي الكبير للسرديه التي اجتهدت فيها كثيرا ولكنك اسقطت بعض الحيثيات التي تثبت ان الكباشي ليس كالبرهان واعطيك دفعين فقط 1/الكباشي كان ضد وجود فصائل مسلحه داخل الجيش السوداني ولابد من ضبطها 2/ في المنامه الكباشي قالها صريحة ل عبدالرحيم دقلو ان الحرب التي اندلعت في السودان هي حرب اسلاميين والجيش اقحم فيها مما اثار عليه موجة هجوم من الاخوان المسلمين ولم يسمح له بالرجوع الي المنامة للتوقيع علي خطوات ايقاف الحرب ومنها انزوي عن الاحداث الساسيه وعدم التصريح الا ظهوره في متحركات التعبئه في غرب السودان.
تحياتي للكاتب الذي حاول نفي استبعاد الفريق الكباشي كرمز يمثل “الهامش” مع تركيزه على أنه محاولة مما يسمى بالإسلاميين من ضمان السيطرة على قيادة الجيش، ولا أدري في الواقع كيف ربط الكاتب بين إعادة ترتيب القيادة وبين اعادة تموضع الفريق الكباشي طالما يظن الكاتب أن القيادة بأكملها تنتمي للإسلاميين، كما أنه لم يجيء على ذكر الفريق ياسر العطا الذي يمثل نظريا “صفوة الشريط النيلي” وأين موقعه من هذا المشهد؟ وهل منصب رئيس الأركان أعلى من منصب مساعد القائد العام؟ في تقديري وبعيدا عن رأئيي الشخصي في القيادة العسكرية التي تمسك بزمام الأمور الآن إلا أنه كان يجب التعامل مع موضوع مركز الفريق الكباشي في القيادة بصورة أكثر حكمة لحساسية الموضوع خاصة في ظل الظروف الحالية التي يمر بها السودان الآن، حيث تصاعدت النعرات العنصرية والقبلية والجهوية لاسيما وأن الفريق الكباشي يمثل رمزا لقبائل جبال النوبة المكون الأكبر للجيش السوداني، وهذا يقودني لرأئيي في قصر نظر نظام ما يسمى بالإنقاذ في بواكير عهدها عندما توفي الفريق أول الزبير محمد صالح الذي كان يشغل منصب النائب الأول وكان بعده مباشرة في تراتبية مجلس قيادة الثورة المرحوم الفريق أول التجاني آدم الطاهر الذي كان أحق بمنصب النائب الأول ولو سُمىً في هذا المنصب لفترة قصيرة، فلك أن تتخيل عزيزي القارئ لو أنه تمت تسميته نائبا أول هل كان للحرب في دارفور أن تندلع في العام 2003؟ أنا أشك في ذلك، فالذي يعرف عبد الواحد النور رئيس ما يسمى بحركة تحرير السودان والذين عاصروه في كلية القانون بجامعة الخرطوم يعلمون أن عبد الواحد لم يتمرد ويكون حركته إلا لشعوره بالمرارة من التهميش والإقصاء. تعمدت وضع كلمتي الهامش وصفوة الشريط النيلي بين مزدوجين لأهمية هتين الكلمتين وضرورة القيام باجراء دراسة تحليلية شاملة ومفصلة تقودنا في نهاية الأمر لتشريح المشكل السوداني ووضع التوصيات اللازمة لمخاطبة ومعالجة جذور الأزمة السودانية بهدف حلها من جذورها حلا نهائيا وعادلا.
أما بالنسبة للمدعو “لقاح الجنجويد” أقول له إن اهمال الريف والذي يعبر عنه الآن بالهامش مشكلة قديمة قدم الدولة السودانية الحديثة ولكنه استفحل في عهد نظام ما يسمى بالإنقاذ عندما تركزت الخدمات في العاصمة الخرطوم وهاجر أهل الريف والهامش للخرطوم حتى من المدن الكبرى مثل مدني وبورتسودان وكوستي والأبيض واستفحلت هذه الهجرات بصورة كبيرة عندما تم استهداف جامعة الخرطوم ومؤسسات التعليم العالي، إضافة إلى تطبيق سياسة التحرير الإقتصادي الفاشلة التي تم تطبيقها دون مراعاة للشرائح الضعيفة في المجتمع السوداني، كما تأثرت الطبقة الوسطى في السودان بهذه السياسة الرعناء والفاشلة حيث كانت تمثل الطبقة الوسطى التي تضم المعلمين والموظفين والحرفيين والمهنيين كانت تمثل صمام الأمان ورمانة الميزان للمجتمع السوداني، كما أضعفت هذه السياسات الفاشلة نظام التعليم في السودان والذي كانت ثمرته دائما ما تمثل نقطة توازن للمجتمع السوداني واصبح التعليم ودخول الكليات العلمية المرموقة رهنا بالذين يملكون الأموال الأمر الذي صنع فجوة كبيرة في المجتمع السوداني وبالضرورة ظهور الحركات العسكرية التي شعرت بهذا التهميش.