مقالات وآراء

على من تقع مسؤولية تحقيق العدالة؟

الصادق بوش
حرب الخرطوم: (4)

في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023، وجد مواطنو العاصمة المثلثة أنفسهم أمام واحدة من أكثر الفترات مأساوية في تاريخ السودان الحديث. فالخرطوم، التي ظلت لسنوات شبه مستقرة مقارنة بالحروب التي أنهكت أطراف البلاد لعقود، أصبحت فجأة في قلب الصراع، بعدما تمددت النزاعات حتى أحكمت قبضتها على العاصمة المكتظة بالسكان.

ويعود السبب الرئيسي لهذا الاكتظاظ إلى حالة السيولة الأمنية، وتمركز الخدمات الأساسية في الخرطوم، إلى جانب سوء توزيع الموارد في أطراف السودان نتيجة لانعدام العدالة في توزيع موارد الدولة. وقد أدى ذلك إلى تفاقم معدلات الفقر، وتدهور أوضاع الصحة والتعليم، فضلًا عن ضعف البنية التحتية في الأقاليم، وهو ما ساهم في اتساع رقعة النزاعات وتزايد موجات الهجرة نحو العاصمة.

وقد يتساءل البعض: على من تقع مسؤولية تحقيق العدالة بعد وقف الحرب؟

لقد تصاعدت الأصوات المطالِبة بتحقيق العدالة، خاصة بعد انضمام بعض عناصر قوات الدعم السريع إلى الجيش، رغم أن هذه القوات تواجه اتهامات وسجلًا حافلًا بانتهاكات جسيمة بحق المدنيين السودانيين. وتُعد مدينة الفاشر من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ شهدت مجازر مروعة قد ترقى — وفق شهادات أولية وتقارير حقوقية — إلى جرائم إبادة جماعية.

كما أشارت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى وقوع انتهاكات خطيرة بحق المدنيين خلال الحرب.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق العدالة الانتقالية؟ ومن المسؤول عنها؟

تكمن المفارقة في أن هذه المهمة المعقدة لا يمكن أن تضطلع بها أطراف الحرب نفسها، لأنها ليست جزءًا من مهامها، فضلًا عن كون بعضها متهمًا أصلًا بارتكاب انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين. فكيف لطرف متهم بارتكاب الجرائم أن يتحدث عن محاسبة الانتهاكات التي ارتكبها ضد الأبرياء؟

إن هذا التناقض الواضح يفرض ضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن، حتى يتسنى لأسر الضحايا، ومن يساندهم من الحقوقيين والفاعلين في المجتمع المدني، القيام بدورهم في السعي لتحقيق العدالة وإنصاف المتضررين.

فالعدالة الحقيقية لا يمكن أن تقوم دون إنصاف وشفافية واستقلالية، ولذلك يصعب التعويل على الأطراف المتنازعة لإنجاز عدالة منصفة للضحايا. كما أن هذه الأطراف لا تملك الحق في التنازل أو العفو عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، لأن حقوق الضحايا تُعد حقوقًا خاصة لا يجوز التصرف فيها باعتبارها شأنًا سياسيًا عامًا.

ومن هذا المنطلق، ينبغي على الفاعلين في المجتمع المدني، والحقوقيين، وأسر الضحايا، التمسك بمبدأ العدالة الانتقالية بوصفه أساسًا لمنع الإفلات من العقاب.

أي نموذج للعدالة قد يحتاجه السودان؟

هناك نماذج متعددة لتحقيق العدالة بعد الحروب، لكن واقع السودان يتطلب تطبيق مفهوم شامل للعدالة الانتقالية، يقوم على ترميم المجتمعات المتضررة ومنع تكرار العنف، إلى جانب الجمع بين:
.المحاكمات والمساءلة القانونية،
.كشف الحقائق وتوثيقها،
.جبر الضرر وتعويض ضحايا الحرب،
.إصلاح المؤسسات وتحقيق المصالحة المجتمعية.

وقد شهد العالم تجارب مهمة في هذا المجال، مثل لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، وهيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب، وغيرها من النماذج التي يمكن الاستفادة منها في الحالة السودانية.

وسنتناول هذه التجارب بشيء من التفصيل في مقال منفصل خلال الأيام المقبلة.

الصادق بوش
باحث في قضايا العدالة والسياسات الاجتماعية

التاريخ: 17 مايو/أيار 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..