
يا سلام.. ثم يا سلام!
ما أجمل أن تأتيك كلمةٌ طيبة من رجلٍ صاحب ضمير حي، فتشعر أنها لم تطرق بابك وحدك، وإنما طرقت باب قضيةٍ تؤمن بها، ورجلٍ تحبه، وتاريخٍ ترى أنه قد أُصيب بكثير من الظلم، وأنصفه القليل من أهل الإنصاف. فلقد أسعدني، وأفرح قلبي، وأدخل على نفسي من السرور ما لا أستطيع أن أصفه، حديث الدكتور محمد الأمين بن اللخمي، وهو يشيد بمقالٍ متواضع كتبته عن قامةٍ شامخة من قامات الفكر والمعرفة في بلادنا، وعن رجلٍ أرى أن السودان لم يمنحه حتى اليوم ما يستحق من إنصاف، ولا ما يليق بمقامه من تقدير. إنه الأستاذ الشهيد محمود محمد طه، ذلك المفكر السوداني، والإنسان الذي عاش لفكرته، ومضى في طريقه حتى النهاية، وواجه الموت بوجهٍ مشرق وابتسامةٍ تاريخية على حبل المشنقة، وكأنما أراد أن يترك للأجيال رسالةً أبلغ من كل الكلمات: أن الإنسان قد يُقتل، ولكن الفكرة التي آمن بها لا تُعدم.
ولذلك، فإنني أقول للدكتور اللخمي، من أعماق القلب: شكراً لك. شكراً لأنك أنصفت رجلاً عظيماً. شكراً لأنك أنصفت مفكراً سودانياً نادراً. شكراً لأنك تذكرت حزباً وطنياً أصيلاً هو الحزب الجمهوري. وشكراً قبل ذلك وبعده، لأنك لم تمر على المقال مروراً عابراً، بل قرأته بعينٍ ترى ما وراء الكلمات، وتلمس ما وراء السطور.
لقد كانت كلماتك الطيبة عن شخصي أكبر من قامتي، وأوسع من قدرتي على الاحتمال! وأقولها لك صادقاً: لقد شدّتني كلماتك في حقي إلى مقامٍ أعلى مما أستحق، ورفعتني إلى مكانٍ لا أدّعيه، ولا أراه لي، وإنما أقبله منك محبةً وتقديراً وكرماً. وكما يقول أهلنا: «في جاه الملوك نلوك»! فأنا، والله، ما استملحت المدح يوماً، ولا طربت له، ولا رأيت فيه شيئاً يستحق الوقوف عنده، إلا أن يكون المدح في موقفٍ كهذا، حين يكون الحديث عن رجلٍ عظيم، وعن فكرةٍ عظيمة، وعن قضيةٍ أرى أن إنصافها واجبٌ أخلاقي وتاريخي. فإن كان في كلماتي شيءٌ من الإنصاف للأستاذ محمود محمد طه، فقد جاءت كلماتك لتمنح ذلك الإنصاف شهادةً أخرى من رجلٍ كريم، صاحب نظرٍ وفكر. وإن كان مقالي قد أسعدك، فقد أسعدتني أنت بكلماتك عن الأستاذ محمود أضعاف ما أسعدك مقالي. فلقد قلتَ، يا دكتور اللخمي، إن المقال من أعظم ما قرأت، وإنه من أنبل ما شدّك فكراً وصبراً وأسًى على تاريخٍ نسي الرجال ولم ينصف من كان بينهم صادقاً، وبين الأبطال مثلاً، وبين المفكرين علماً.
وأنا أقول لك: إن كلماتك هذه ليست مجرد إشادة بمقال، وإنما هي في حقيقتها إشادة بفكرة الإنصاف نفسها، ودعوة إلى أن نعيد قراءة تاريخنا بعيونٍ أكثر عدلاً، وأن نخرج من أسر الروايات التي كتبتها الخصومات السياسية، والأهواء الفكرية، والانحيازات الطائفية والحزبية.
إن إعادة الاعتبار للأستاذ محمود ليست منّةً منّا عليه، فهو في غنى عن كلماتنا، وإنما هي حاجةٌ إلينا نحن؛ لأن الأمم التي لا تنصف مفكريها، ولا تحفظ ذاكرة رجالها، ولا تعيد قراءة تاريخها بصدق، تظل تدور في الحلقة ذاتها، وتعيد إنتاج أخطائها، وتدفع ثمن تجاهلها للعقول التي كان يمكن أن تضيء لها الطريق.
لقد كان الأستاذ محمود، في نظري، واحداً من أولئك الذين تجاوزوا زمانهم، ولذلك لم يفهمهم زمانهم. وكان من أولئك الذين دفعوا ثمن أفكارهم غالياً، لأنهم لم يقايضوا ضمائرهم، ولم يساوموا على ما آمنوا به.
ولعل أعظم ما يجعل الحديث عنه اليوم ضرورة، هو أن السودان ما زال يبحث عن الطريق الذي ظل الأستاذ محمود ينادي به: طريق السلام، والحرية، والعدالة، والإنسانية، والحكم الرشيد، والوعي الذي يجعل الدين قوةً لتحرير الإنسان لا وسيلةً لاستعباده.
ومن هنا تأتي قيمة كلمات الدكتور اللخمي؛ لأنها لم تكن احتفاءً بشخصٍ فحسب، وإنما كانت احتفاءً بفكرةٍ وبسيرة رجلٍ وبحاجة وطنٍ إلى أن يستعيد ذاكرته المنسية.
أما أنا، فلا أملك أمام هذا الكرم إلا أن أقول: شكراً دكتور اللخمي. شكراً على إنصافك للأستاذ الشهيد محمود محمد طه. شكراً على كلماتك النبيلة عن الحزب الجمهوري. شكراً على قراءتك لمقالٍ كتبه شخصي الضعيف. وشكراً لأنك جعلتني أشعر، ولو للحظات، أن الكلمات الصغيرة التي نكتبها بإخلاص قد تجد طريقها إلى قلوبٍ كبيرة. دعني أكرر القول الدارج: «في جاه الملوك نلوك». فإن سيرة الأستاذ أعظم من «جاه الملوك»!! وما أطيب ما «نلوك» في جاهه العريض!
ولعل أجمل ما في الأمر أنني لم أكتب عن الأستاذ محمود بحثاً عن مديح، ولم أكتب دفاعاً عن شخصي، وإنما كتبت لأنني أؤمن أنه مفكر يستحق الإنصاف، وأن السودان يحتاج إلى أن ينظر إلى تاريخه بعينٍ جديدة، وأن يعيد اكتشاف رجاله الذين ظلمتهم الخصومات، وغيّبتهم السياسة، وأساء إليهم التاريخ المكتوب بأقلام الغضب والانحياز. فإذا جاءت كلمةٌ جميلة من رجلٍ كريم، فإنها تصبح عندي مناسبةً للفرح، لا لأنها رفعت من شأن شخصي، وإنما لأنها جاءت في سياق الدفاع عن رجلٍ أراه من أعظم أبناء السودان، وعن فكرةٍ أراها جديرةً بأن تُقرأ وتُناقش وتُحاكم بالعلم والعقل، لا بالخصومة والعداء.
فسلامٌ على الأستاذ محمود، يوم حمل فكرته، ويوم عاش لها، ويوم مضى إلى حبل المشنقة مبتسماً، ويوم تعود أفكاره إلى موضعها الطبيعي في ذاكرة السودان. وسلامٌ على كل قلمٍ شريفٍ ينصف الرجال حين يختلف الناس حولهم. وسلامٌ على الدكتور اللخمي، الذي قال كلمةً طيبة، فأسعد بها قلب كاتبٍ متواضع، وأشعل في داخله فرحاً لا يجيء كثيراً.
أما أنا، فسأظل أقول: ما كتبته عن الأستاذ محمود كان قليلاً في حق مفكر، وما قاله الدكتور اللخمي عن ذلك المقال كان كثيراً في حق شخصي. ولذلك أقولها مرةً أخرى، وبكل الحب والامتنان: شكراً دكتور اللخمي.. لقد أسعدتني، وأسعدتني أكثر لأنك «هبشت» الفكرة التي أحب، وأنصفت الرجل الذي أرى أن إنصافه واجب، فالتاريخ ما زال ينتظر من يكتبه بضميرٍ حر.



