مقالات وآراء

الهوية الإنسانية بين الفرد والمجنمع4/1

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ

«الهوية الإنسانية: بين الفرد والدولة» «مدخل إلى ميثاق إنساني للتعايش الديني والمجتمعي»،
السودان ليس استثناءً من حيث التنوع الثقافي والمجتمعي والديني والإثني. فمنذ نشأته التاريخية، ظل فضاءً تتداخل فيه الثقافات والحضارات واللغات والأديان والهويات المحلية والإقليمية.
ومع ذلك، ما زلنا نبحث عن هوية جامعة يتوحد حولها الشعب السوداني، بكل تنوعه وتعدده.
فهناك من يدعو إلى الهوية النوبية والكوشية، باعتبارها امتدادًا لتاريخ وحضارة عريقة في السودان.
وهناك من ينطلق من الأفريقانية، من حيث الجغرافيا واللون والثقافة والامتداد التاريخي للقارة الأفريقية.
وهناك من يدعو إلى العروبة باعتبارها مكونًا لغويًا وثقافيًا وحضاريًا، وقد ارتبطت في السودان بمختلف الأديان، وإن كان الإسلام هو الدين الغالب بين الناطقين بالعربية.
وهناك من يتمسك بالهوية البجاوية، بما لها من خصوصية تاريخية وثقافية ولغوية وجغرافية في شرق السودان.
كما أن هناك من يرى أن الحل يكمن في تبني هوية جغرافية سودانية، يتساوى تحتها الجميع باعتبارهم أبناء وطن واحد.
وكل هذه التصورات تحمل جانبًا من الحقيقة، لأنها تعبر عن مكونات حقيقية من مكونات الشخصية السودانية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هوية جزئية إلى هوية كلية، وعندما يحاول مكوّن من مكونات السودان أن يجعل هويته الخاصة هي الهوية الوحيدة للدولة والمجتمع.
من وجهة نظري، ليست المشكلة في أن يكون الإنسان نوبيًا أو بجاويًا أو عربيًا أو أفريقيًا، مسلمًا أو مسيحيًا أو من أصحاب المعتقدات المحلية، أو أن يحمل أكثر من انتماء في الوقت نفسه.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى وسيلة لإثبات التفوق ونفي الآخر.
فالإنسان يستطيع أن يعتز بلغته وثقافته وقبيلته وتاريخه ودينه، دون أن يجعل من هذا الاعتزاز سببًا لانتقاص إنسانية الآخرين.
ومن هنا تأتي فكرة الهوية الإنسانية كالإطار جامع.
ليست بديلًا عن الهويات الثقافية والدينية والإثنية، وليست دعوة إلى ذوبان الثقافات أو إلغاء الخصوصيات.
إنها هوية تقع في مستوى أعمق
قبل أن أكون نوبيًا أو بجاويًا أو عربيًا أو أفريقيًا، وقبل أن أكون مسلمًا أو مسيحيًا أو صاحب معتقد آخر، فأنا إنسان، والآخر إنسان.
وهذه الحقيقة البسيطة يمكن أن تكون نقطة البداية لبناء علاقة جديدة بين السودانيين.
فالهوية الإنسانية لا تسأل الإنسان أولًا: من أي قبيلة أنت؟ وما دينك؟ وما لونك؟ وما أصلك؟
بل تسأله هل أنت إنسان؟ وهل الآخر إنسان؟
إذا الكرامة والحقوق والعدالة تصبح حقوقًا أصيلة لا تعتمد على الانتماء.
الدولة الحديثة لا ينبغي أن ترى المواطن من خلال هويته الجزئية، وإنما من خلال وإنسانيته ومواطنته. فوظيفة الدولة ليست أن تختار للمواطن دينه أو ثقافته أو قبيلته أو هويته، وإنما أن تحمي حقه في أن يكون ما يختاره لنفسه، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.
الدولة التي تساوي بين مواطنيها لا تعني أنها دولة بلا هوية، وإنما تعني أن هويتها الجامعة تقوم على المواطنة والإنسانية والعدالة.
فلا ينبغي أن يحصل المواطن على حقه لأنه ينتمي إلى قبيلة نافذة، أو منطقة معينة، أو جماعة دينية، أو تيار سياسي، ولا ينبغي أن يفقد حقه بسبب لونه أو أصله أو معتقده.
وهنا تصبح الدولة دولة الجميع، لا دولة جماعة بعينها.
وهذا لا يعني وضع الإنسان في مواجهة الدولة، وإنما إعادة تعريف العلاقة بينهما.
فالدولة وُجدت لخدمة الإنسان وحماية حقوقه وتنظيم علاقاته، وليست غاية في ذاتها إنما هي وسيلة لحياة كريمة.
والسلطة ليست امتيازًا على الإنسان، وإنما مسؤولية تجاهه.
والقانون لا ينبغي أن يكون أداة للسيطرة، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة وحماية الكرامة الإنسانية.
وعندما يشعر المواطن أن الدولة تحميه لأنه إنسان ومواطن، لا لأنه ينتمي إلى جماعة معينة، فإن الانتماء إلى الوطن يصبح أكثر قوة من الانتماءات المتصارعة.
ربما لا يستطيع السودانيون في الوقت الراهن الاتفاق على هوية ثقافية واحدة، ولا أعتقد أننا بحاجة إلى ذلك.
فالسودان أكبر من أن تختصره ثقافة واحدة، أو لغة واحدة، أو إثنية واحدة، أو دين واحد، أو تاريخ واحد.
السودان هو مجموع هذه المكونات، وتنوعه يمكن أن يكون مصدر قوة إذا وجد الإطار الذي يجمعه.
لذلك، فإنني أقترح أن نبحث عن هوية إنسانية سودانية جامعة، لا تلغي النوبية والكوشية، ولا البجاوية، ولا العربية، ولا الأفريقانية، ولا أي هوية ثقافية أو دينية أخرى، وإنما تضعها جميعًا داخل إطار أوسع هو الإنسان.
فالاختلاف لا يحتاج إلى الإلغاء، وإنما يحتاج إلى الاعتراف.
والتنوع لا يحتاج إلى الصهر، وإنما يحتاج إلى التعايش.
والهوية لا ينبغي أن تكون جدارًا يفصلنا، وإنما جسرًا يصل بيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..