أي تكريم يا إبراهيم

قبل نحو أسبوعين، كتب د. إبراهيم الصديق، رئيس حركة تحرير «الصحافة»، مقالا يدعو فيه الى تكريم عالم الآثار السويسري شارل بونيه، الذي أمضى أكثر من نصف قرن في التنقيب عن الآثار النوبية، وعرض منتوج الحضارات القديمة في شمال السودان الحالي، في دنيا الأكاديميا على مستوى العالم، ويحث وزارات السياحة والثقافة والإعلام والخارجية على العمل للترويج لحضارة كرمة/ كوش، بحيث تصبح السياحة الآثارية/ التاريخية، رافدا للخزينة العامة، ثم دعا ابن الصديق الى توثيق اكتشافات بونيه،ودعا الشركات الكبرى للعمل على نشرها عبر مختلف الوسائل.
جزاك الله خيرا يا أستاذ إبراهيم، ويبدو أنك رجل على نياتك، واطمئنك بان بونيه حظي بالتكريم الشعبي من أهل الشمال، من البركل إلى حلفا القديمة «يفترض أن أصفها بأنها حلفا «الأصلية» وتفاديت ذلك حتى لا ينسبها أحد للحزب الاتحادي الديمقراطي الميرغناوي الذي يدعي «الأصالة»»، كما ان الشركة الوحيدة في السودان، التي اهتمت بأمر عالم الآثار بونيه هي دال، ولا يحسبن احد انها تفعل ذلك لأن مالكيها نوبيون، فإسهاماتها في العمل الثقافي منتظمة وراتبة، وفي ميزانيتها السنوية مخصصات ضخمة لجمع وتوثيق التراث الشعبي من مختلف بقاع السودان، وفي مكتبتها كنوز معرفية يشرف عليها مثقفون عتاولة، أعرف منهم محمد طه القدال وفتحي عثمان وكلاهما من العروب، أما الشركات الكبرى الأخرى، فلا تنفق مالاً الا في مهرجانات البكش، برعاية فعاليات بلا قيمة ثقافية او اجتماعية، مثل حفلات التطريب والعرضة والدليب والدلاليك والمزازيك.
قبل بزوغ نجم بونيه، كان هناك عالم الآثار بروفسير هيكوك، الذي كان يدرس التاريخ وعلم الآثار في جامعة الخرطوم، ثم يمضي إجازاته في منطقة كرمة والبجراوية منقبا عن الآثار، وجاهدا في فك شفرات تاريخنا القديم، وكان شائعا بين طلاب تلك الجامعة، ان هيكوك وبحكم انه اسكتلندي بخيل، خاصة وأنه كان يأتي الى الجامعة يوما بعد يوم وعاما تلو العام بنفس البنطلون والقميص، وكان واضحا أنه لم يسمع ب»المكواة»، وكانت ملابسه المكرفسة على الدوام شاهدا على ذلك، وكان يجالس الطلاب في قهوة النشاط ولا يشرب الشاي من كدِّ جيبه، بل ينتظر أن يقدمه له طالب ما، وكان الطلاب يسعدون بدعوته لتناول الشاي والميرندا، وكان هيكوك بالفعل جلدة في الإنفاق على نفسه، ولكنه كان ينفق كل راتبه على حملاته الاستكشافية للآثار هنا وهناك، ومات هيكوك تحت سنابك سيارة رعناء في شارع النيل في الخرطوم، ولم ينل التكريم إلا من طلابه الخلصاء حيا أو ميتا
وبروفسير تشيني، قضى بعض أخصب سنوات عمره منقبا عن آثار الحضارة النوبية، وكي يندغم في تلك الحضارة حرص على تعلم اللغة النوبية، ليتسنى له التفاهم مع النوبيين البسطاء الذين كانوا يعملون معه في مجال التنقيب، وحتى بعد ان انتقل الى جامعة تورنتو في كندا، ظل تشيني متواصلا مع المراكز الثقافية النوبية، ومنافحا عن قيمة الحضارة النوبية في المنتديات العالمية.
والكرامة من كرم يكرم تكريما، ولدينا علماء آثار أولاد بلد لهم شنة ورنة في المحافل الدولية، ولكنهم لا يحظون بالتكريم او التقدير، ولا أقصد بذلك الحفلات و « ها ها ..هيع.. والعكاكيز تتطاقش»، ولكن بتقديم العون لهم، ليصبحوا قادرين على استخدام مهاراتهم ومعارفهم في التنقيب عن كنوز وطنهم التاريخية
ولولا دفعة قوية من حكومة قطر لصار متحفنا القومي أكثر بؤسا من متحف التاريخ الطبيعي، الذي هلكت ما به من كائنات البيئة السودانية «فلورا آندفونا»، وصارت أثرا بعد عين، فأصيب أكبر رعاته «بروفسير محمد عبد الله الريح»، بالاكتئاب الوبائي.
الصحافة

تعليق واحد

  1. ابو الجعافرز جميل منك أن تذكر كلا من البروفسر شيني والبروفسر هيكوك اللذين لم أعاصرهما لأني دخلت الجامعة بعدك ياعجون، ولقد سمعت بهما منك فى سنار الثانوية كما سمعت بتي إس إيليوت الذى كنت تحفظه عن ظهر قلب، ثم لما دخلت الجامعة طفقت استنطق البيريوديكالز بالسراديب المساة سيلز، فوجدت أنهما قد اكتشفا أن الحضارة المروية هي من اخترع أول حروف أبجدية، قبل الفينيقيين، وهي أول من صهر الحديد. ألا تعتقد أنهما أولي بالتكريم من الكثيرين الذين يسدون الآفاق اليوم؟

  2. ابو الجعافرز جميل منك أن تذكر كلا من البروفسر شيني والبروفسر هيكوك اللذين لم أعاصرهما لأني دخلت الجامعة بعدك ياعجون، ولقد سمعت بهما منك فى سنار الثانوية كما سمعت بتي إس إيليوت الذى كنت تحفظه عن ظهر قلب، ثم لما دخلت الجامعة طفقت استنطق البيريوديكالز بالسراديب المساة سيلز، فوجدت أنهما قد اكتشفا أن الحضارة المروية هي من اخترع أول حروف أبجدية، قبل الفينيقيين، وهي أول من صهر الحديد. ألا تعتقد أنهما أولي بالتكريم من الكثيرين الذين يسدون الآفاق اليوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..