السودان في جوبا .. مشهد آخر! (3)

في مؤتمر فرص الاستثمار في مجال النفط والبنى التحتية والذي انعقد نهاية الأسبوع المنصرم في جوبا حاضرة جنوب السودان.. شاركت مجموعة محدودة من شركات القطاع الخاص السوداني.. وقد علمت أن جل تلك الشركات قد انخرطت في مفاوضات ثنائية مع نظيراتها أو مع حكومة الجنوب.. بغية ترتيب فرص استثمارية في مجالات متنوعة.. ولعلنا حين تساءلنا عن غياب السودان وعن الفرص الضائعة.. كنّا نعني شيئا كهذا.. ولسبب من هذا تحسرنا على غياب السودان.. حكومته وقطاعه الخاص.. والحديث عن غياب السودان يطول.. وقد يحاول البعض سوق الحجج والتبريرات لهذا الغياب.. من شاكلة.. الجنوب هو من اختار الانفصال.. وأن الجنوب هو من بدأ العداء للسودان.. وأن الجنوب هو من افترع القطيعة منهجاً للعلاقة بين البلدين.. ولنريح كل هؤلاء ونسعدهم.. سنقول لهم.. كل ما سبق ذكره صحيح.. ولكن السؤال الذي ينبغي أن يعكف الجميع على إجابته الآن.. أين مصلحة السودان في علاقته مع جنوب السودان..؟ هل في استمرار القطيعة والعداوة والبغضاء..؟ أم في إحلال التواصل والصداقة والمحبة..؟ هل في غرس الفتنة ورعايتها حتى تشتعل نارا تحرق الجميع..؟ أم في تأسيس المصالح المشتركة ورعايتها حتى تثمر خيرا يطعم الجميع.. بل لنفترض أن جنوب السودان قد اقترف كل تلك الموبقات المتوهمة منها والحقيقية في حق السودان.. وقد اكتشف.. الآن أن مصالحه شمالاً وليست شرقاً ولا جنوباً.. فهل يضرب السودان صفحاً عن الماضي.. أم يضرب اليد التي تمتد الآن بحثاً عن التعاون..؟
عنواننا لهذه الحلقات لم يأت اعتباطاً.. أو محض صدفة.. بل اخترناه بعناية.. نريد أن نقول من خلاله.. إنه في الوقت الذي تحاول فيه قلة سجن علاقات البلدين في الماضي.. وحبس صورة كل بلد لدى الآخر في قمقم الكراهية والحقد.. فإن على الأغلبية أن تنتبه أن ثمة فرصة جديدة تتشكل.. ولأن مسؤوليتنا في المقام الأول تتجه نحو مواطنينا.. أو قل الرأي العام السوداني.. فقد اخترنا هذا العنوان.. السودان في جوبا.. مشهد آخر.. لنقول له من خلاله.. إن ثمة صورة جديدة للسودان تتشكل هناك.. إنها صورة الشقيق الأكبر.. وإن الشقيق الأكبر.. أياً كان هذا الشقيق.. فثمة مسؤوليات والتزامات وواجبات تقع على عاتقه.. عليه أن يوفيها حقها.. سيما إذا كان الشقيق الأصغر.. معترفاً بهذه الصفة.. مقراً بهذا الدور.. منتظراً له ومراهناً عليه..!
وكل من تسأله في جوبا الآن.. لا يقدم إلا إفادة واحدة.. أن فرصة السودان كبيرة في أن يتخذ موقعه الريادي في كل شأن يخص جنوب السودان.. يتساوى في هذه الإفادة قادة حكومة الجنوب في أعلى المناصب وسفير السودان في جوبا وكل طاقمه.. الدبلوماسي والفني والعسكري.. وخبراء إيقاد.. وصناع الرأي العام هناك من صحافيين وإعلاميين.. وحتى رجل الشارع البسيط..!
والسودان يستطيع إن أراد.. البروفيسور غندور من موقعه كوزير لخارجية السودان.. كان وحده ينجح في زحزحة الدكتور رياك مشار من موقفه المتزمت إزاء الحل السلمي في بلاده.. كان ذلك حين زاره ضمن وفد إيقاد بجنوب أفريقيا مطلع الأسبوع الماضي.. ثم يعود غندور نفسه.. ومن فندق كراون بقلب جوبا.. ليعيد صياغة ووجهة وأجندة اجتماع وزراء خارجية إيقاد الذي انعقد هنا.. فلا يملك الرئيس سالفا كير إلا أن يبصم على كل ما طرحوه عليه.. إذن.. ينبغي أن نعترف بأن الخارجية تتقدم.. ولكن ينبغي أن نعترف أيضاً.. بأن الخارجية وحدها لن تفعل شيئا.. وأن ما تنجزه الخارجية.. يمكن أن تهدمه جهة أخرى.. ما لم تتوجه كل مؤسسات الدولة نحو إعلاء مصالح الوطن العليا.. وقبل ذلك تعريف تلك المصالح وتحديدها بوضوح.
فهل يعقل أن البعض ما يزال يجادل.. حول أيهما يشكل مهدداً أمنياً للسودان.. جنوب مستقر أم جنوب مضطرب..؟! ونواصل غداً.
اليوم التالى

