التنيط والتعبيط وتدين الفراخ….

الدين الاسلامي دين الحرية في كل شيء، الحرية بالمفهوم العقلاني السامي، المدرك للمسؤولية المترتبة على الاختيار الحر، (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، فجعل العقل مناط التكليف وقسم له مشيئة بشرية، وخاطبه في مستوياته العليا (نَظَرٌ، وسَيْرٌ، وتَفَكُّرٌ، وتَدَبُّرٌ، وتَعَقُّلٌ)، وليس في مستواه (الفوضوي) الذي يحيل إليه الفقه (السلفي)، حتى جعل العقل صنو الكفر.

الاحتفال القرآني بالعقل، حرر الاسلام من مظاهر (التدين)، فكل شيء خلا الأحكام التعبدية التوقيفية، تُرك للمجتمع ليقرر فيه بمقتضى الشائع والمعروف (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)، فكان الاسلام عابراً للزمان والمكان، وظل (التدين) عبر القرون يأخذ شكل البيئة التي يوجد فيها، فتعددت مظاهر التدين بتعدد الأفهام والأقوام، فتكرَّس مفهوم (الفردانية والتميز) على مستوى الأفرد والمجتمعات.

مفهوم (الدين)، بما هو دين، لا يتحقق، إلا في ظل حرية تامة بلا إكراه حتى لا يكف عن أن يكون إلهي ويصبح بشري، فجاءت الآية (لا إكراه في الدين)، فخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد مختارين غير منقادين، حتى بلغ عدد المذاهب الفقية بحسب زعم دكتور علي جمعة مفتي مصر السابق نيِّفٌ وثمانون مذهباً. ولما ضاقت صدور الرجال انحصرت في أربعة مذاهب فقط.

وتم الاجهاز على الحرية، بدعاوى عدم رشد الأمة، التي لم تكد تتمتع بها في سني رشدها، وساروا بها سير الأولين فصدق فيهم قول الأمين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ..)، وجعلوا (شرع من قبلنا شرع لنا)، فعاد الأحبار والرهبان من (ثكناتهم)، ومعهم الإصر والأغلال، ليصبحوا (أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وحدهم يمتلكون العلم و وحدهم يمتلكون الفضيلة وهم الوسيط الحصري بين الناس ورب العالمين.

في ظل غياب العقل عن الدين، برز نموذج (رجل الدين) الراقي في هندامه وابتسامته الصفراء التي تثير الغثيان، وفي أدائه المسرحي الهزلي، وفي ظُرفه ونكاته المبتذلة، حتى إذا ما ظن أن الأمر دان له وأصبح لا يقل عن (جويل سكوت أوستين) المؤلف والواعظ الأمريكي والقس الأكبر، وأن عقول الناس أرخت سدولها ونامت، أعلن بلا وجل ولا خجل عن قيام (مملكة الفراخ الإسلامية)، ليصبح المسلم في عقله مجرد فرخة لها ديكٌ ينام باكراً لا يفوِّت نداء الفجر.

فإذا العقولُ صُودرت، وإذا الضمائر أُغتيلت، فلا صوت سيعلو على صوت الفراخ، فَعِشْ شقياً محروماً أيها المسلم، فقيراً لا تملك قوت يومك لتسعد في دار القرار، وأترك الثروة والمال والجاه التي حباها الله لهم، مقابل ما يقومون به من أفعال نيابة عنه سبحانه وتعالى علواً كبيراً، بوصفهم الموقعين عن رب العالمين، ولسان أحدهم يقول (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي).

إنهض أيها النائم قبل أن تقول مع القائلين (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) ……………………………………….

[email][email protected][/email]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..