مقالات وآراء

ترامب.. البرهان، حميدتي .. والحل في البل!

 

حين تحدث ماركو روبيو إلى جوار دونالد ترامب قبل ساعات، متحدثا عن ملف السودان بلهجة مباشرة وقصيرة، لم يكن يعرض مبادرة جديدة بقدر ما كان يحدد سقف المقاربة الأميركية في هذه المرحلة: أولوية وقف النار، وضبط الفوضى، ومنع ارتدادات الحرب على الإقليم.

من هذا المدخل، تقرأ سياسة واشنطن تجاه حرب السودان باعتبارها مقاربة واقعية خالصة، لا تحكمها عناوين أيديولوجية ولا رهانات سياسية بعيدة المدي. السؤال المركزي لم يعد: من يمتلك الشرعية، بل: من يستطيع وقف النار ومنع توسع دائرة الصراع؟

ضمن هذا الإطار، لا ينظر إلى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على أنه شريك مضمون، كما لا يتعامل مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو باعتباره خصم نهائي. الطرفان، في القراءة الأميركية الحالية، فاعلان مسلحان يخضعان لتقييم السلوك الميداني لا لمنطق الشرعية المسبقة. معيار التعامل هو ضبط النار وتخفيف كلفتها الإنسانية.

التحول الأبرز لم يكن في الهدف، بل في أداة التعامل. انتقلت واشنطن من نهج إدارة المسارات الطويلة في عهد أنتوني بلينكن، إلى صيغة أكثر مباشرة في الضغط السياسي مع روبيو، تقوم على تقليص الوعود ورفع سقف المطالب العملية:
وقف النار، تسهيل العمل الإنساني، ثم اختبار الالتزام على الأرض.

في هذا السياق، لا تراهن الإدارة الأميركية على إعادة صياغة المشهد السياسي السوداني في المدي القريب، ولا على إنتاج ترتيبات حكم جديدة قبل استقرار الوضع الأمني. الأولوية هي تحييد تداعيات الحرب على الإقليم، ومنع تحول السودان إلى بؤرة استنزاف مفتوحة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

الرسالة التي ترسل اليوم إلى طرفي الصراع هادئة في نبرتها، لكنها واضحة في مضمونها:
لا مسار سياسي من دون وقف ثابت لإطلاق النار، ولا انفتاح دولي من دون التزام عملي بتخفيف معاناة المدنيين ومنع توسع رقعة القتال.

بهذا المعني، فإن سياسة ترامب تجاه السودان ليست سياسة حلول كبري، بل سياسة احتواء محسوب للأزمة، تقوم على إدارة المخاطر أكثر من صناعة التسويات، وتراعي توازنات إقليمية دقيقة ترى أن كلفة استمرار الحرب باتت أعلي من كلفة أي تنازل محدود من أي من الطرفين.

الخلاصة أن مستقبل الحرب في السودان لم يعد رهنا فقط بحسابات البرهان ودقلو، بل بتقاطع ضغوط دولية وإقليمية تضع وقف النار في صدارة الأولويات، وتتعامل مع السياسة باعتبارها مرحلة لاحقة لما بعد إطفاء الحريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..