مقالات سياسية

الكيزان شماعتنا لمتين؟!

كمال الهِدي

تأملات
. الكيزان ليسوا أكثر ذكاءً من بقية مكونات الشعب السوداني.
. وإن سلمنا بمثل هذه الفرية لابد أن نقتنع بأن بعض أقل الصحفيين الرياضيين ورؤساء الأندية قدرات، يفوقوننا ذكاءً أيضاً.
. ولو كان الحال كذلك فالرماد كال حماد.
. كل مافي الأمر أننا نغلب عواطفنا على هذه العقول التي حبانا بها المولى عز وجل.
. يعني بإختصار (بندور روحنا برانا) ونظل نبحث عن شماعة نعلق عليها فشلنا في إعمال العقول النيرة التي نمتلكها.

. ما زلت أذكر يوم الثلاثين من يونيو 89، وتلك اللحظة التي أيقظتني فيها إحدى بنات الجيران وهي تقول ” النايم ليها شنو البلد فيها انقلاب.”
. وبعد ساعة من تلك اللحظة وقبل أن يُتلى علينا البيان الأول، أو نتعرف على من سيتلوه على وجه الدقة، وبالرغم من روح الشباب الوثابة وقتها وعدم تفتح أذهاننا كما هي عليه اليوم، وضح لنا جلياً أن الإنقلابيين لن يكونوا سوى كيزان (سفلة).
. لكن الشاهد أن جدلنا _ كسودانيين نترك جوهر الموضوع لنحوم حول رتوشه_ استمر لسنوات بعد ذلك.. (كيزان.. لا ما كيزان).

. وحتى بعد أن اعترف كبيرهم الذي علمهم السحر وقال بعضمة لسانه جملته الشهيرة ظللنا نمنحهم الفرصة وراء الأخرى لكي يتمكنوا منا ومن بلدنا حتى أوصلوه لما هو فيه.
. وبعد هذه السنين الطويلة انتفض شبابنا وقدموا تضحيات جليلة لإحداث تغيير طال انتظاره.
. لكن المؤسف أننا استنسخنا نفس الخطأ السابق، وقبلنا بمجلس عسكري نعرف جميعاً أن كل أعضاءه قد تمت ترقيتهم إبان الثورة وبعد شعور المخلوع ونظامه بالخطر.
. وفي المجلس وافقنا على رئاسة رجلين عُرفا وسط الكثيرين بإرتباطهما الوثيق بأحد المحاور الإقليمية.
. فكيف نتذمر ونتوقع غير التدخلات الخارجية في ثورتنا بالله عليكم!!

. ورطتنا قوى الثورة في ذلك وتماهوا مع بعض القتلة وملأ ساطع وإبتسام الوثيقة الدستورية بثقوب مدمرة، وما زلنا لا نقبل نقداً يوجه لقوى الحرية وتجمع المهنيين، وفي ذات الوقت نعلق كل بلاوينا (الجبناها بإيدينا) على شماعة عنوانها ” دهاء الكيزان”.
. حتى دكتور حمدوك نفسه كان بالإمكان أن نتحفظ على اختياره منذ اليوم الأول ونطرح أسئلة ننتظر إجاباتها لكي تطمئن قلوبنا، بالنظر لطريقة ظهوره في المشهد، لكننا بصمنا عليه بالعشرة وكأنه معرفة قديمة.

. الآن أيضاً لا نزال نترك الجوهر ونهدر وقتاً ثميناً في الرتوش.
. فقد إلتقى البرهان رئيس وزراء إسرائيل وانتهى، وبدلاً من مطالبة حكومة الثورة بموقف واضح، ألاحظ أننا نكثر من الجدل حول أيهما يصدقنا القول وأيهما كذب علينا (البرهان أم حمدوك).
. ومرة ثانية بالرغم من أن الأمر واضح منذ الوهلة الأولى، وأن كل شيء يشير إلى معرفة الكثيرين في الحكومة بخطوة البرهان نضيع وقتنا الثمين _ كله على حساب ثورتنا_ في أمر يمكن حسمه بسهولة ويسر.
. الحسم الذي أعنيه هو أن يتحفنا رئيس الوزراء بموقفه الواضح الصريح مما جرى غض النظر عن معرفته المسبقة أو جهله بالخطوة.
. هذا هو المحك، لكننا نحاول دائماً تجنيب من نتعلق بهم المحكات وبذلك نضيع أنفسنا وبلدنا بسبب هذه العاطفة اللعينة.

. لست ثورة مضادة، ولو خيرونني بين الكيزان والموت لأخترت الموت، لكنني أكره أيضاً دفن الرؤوس في الرمال في أي قضية، فما بالك أن تكون القضية وطناً بأكمله.
. حتى في أمر اللقاء تركنا الموضوع الأساسي وركزنا على جزء أقل أهمية.
. فقضيتنا الآن ليست فلسطين، لأنك عندما تواجه الغرق عليك أن تنقذ نفسك أولاً ثم تفكر في مساعدة الآخرين.
. وبلدنا الآن في مفترق طرق بين أن يكون أولا يكون.
. فكيف سندعم قضية فلسطين ونحن نسير في ذات الطريق الذي ضيعها!!
. بمثل هذا الموقف والجدل العقيم أفسحنا المجال مجدداً لمزايدين كثر لكي يهدروا وقتنا ويشغلوننا بأكاذيبهم المكشوفة.
. فجل من يهتفون ويرفعون الشعارات البراقة الزائفة هذه الأيام إما أنهم كانوا على وشك التطبيع، أو أنهم التقوا قادة إسرائليين تماماً كما فعل البرهان.

. سؤالنا المُلح يفترض أن يكون ( هل سيصلح التطبيع حال بلدنا حقيقة، كما يتوهم البرهان)!!
. شخصياً أستبعد ذلك تماماً، وظني أن البرهان مثل الغريق الذي يتمسك بقشة لا أكثر.
. لا يهم رأيي في هذه الجزئية كثيراً، بل المهم هو أن نركز على جوهر القضايا ونكف عن إهدار الوقت فيما لا طائل من ورائه.
. نتحدث عن الثورة المضادة كثيراً بالرغم من أن كل شيء يحدث تحت سمع ومرأى قوى وحكومة الثورة دون أن يتخذوا الفعل السريع، ودون أن نحاسبهم على ذلك بأكثر من البوستات ورسائل الواتساب.
. هل توجد ثورة مضادة أكثر من المقدمة التي ساقها الهندي عز الدين عند كتابته عن لقاء البرهان بمن أسماههم (قادة الصحف)!!

. فقد حدثنا الهندي عن طلب العسكريين من الصحافي مصطفى أبو العزائم أن يقدم اللقاء ويديره، قبل أن يتحفنا بإعتذار البرهان للصحف والقنوات الموقوفة!
. مؤسسات إعلامية موقوفة لإرتباطها بالنظام القديم، وأخرى لا يزال أصحابها يتبجحون وبدلاً من أن يستسمح البرهان الشعب السوداني يعتذر لأصحاب هذه المؤسسات!
. ونحن ما زلنا نمد حبال الصبر لفيصل وعدد آخر من الوزراء المتقاعسين الذين نسوا تلك الدماء الطاهرة التي كانت رافعتهم الوحيدة وبرضو نقول الكيزان بلعبوا بينا!
. والله لاعبين بروحنا برانا وعلينا أن نواجه هذه الحقيقة بشجاعة، وإلا فإن ضاعت الثورة فلا نلوم إلا أنفسنا.
كمال الهِدي
[email protected]

‫3 تعليقات

  1. سؤالنا المُلح يفترض أن يكون ( هل سيصلح التطبيع حال بلدنا حقيقة، كما يتوهم البرهان)!!
    . شخصياً أستبعد ذلك تماماً، وظني أن البرهان مثل الغريق الذي يتمسك بقشة لا أكثر.)
    هذا من أجمل المقالات التي قرأتها هذه الأيام وكم هي قليلة المقالات الجريأة الصادقة.. الكلام عن أن إسرائيل ستحل مشاكل السودان يصيب الانسان بالقرف والغثيان.. إسرائيل تقكر استراتيجيا ونحن نفكر رزق اليوم باليوم.. معروف أن إسرائيل وهي تبحث عن أمنها تفكر استراتيحيا في تفتيت كل دولنا هذه ومخططها يسير بقوة، ومن استراتيجياتها تفتيت السودان بعد أكثر من 60 عاما من العداوة.. والان هي كسبت المعركة في الصعيد الذي يلينا ووصلنا لما وصلنا اليه من أزمات، فاذا بنا نجري الى إسرائيل لتبعدنا من قائمة الإرهاب وتعيدنا للعالم!!! إسرائيل التي جئناها تترنح ستقوم بتفتيشنا وأخذ كل ما تجده في جيوبنا الخاوية وبعدها تعطينا “كف” وتقول لينا اجلسوا جانباـ وتقول لامريكا “زودوا النار على الناس ديل شوية لأن الطبخة في مراحلها الأخيرة من النضج”!!! نفس الشي عملته أمريكا مع اليشير.. قالت له افصل الجنوب سنحذفك من قائمة الإرهاب فأخذت الجنوب من جيبه ثم اعطته كف وقالت له اجلس جانيا الى أن تنضج الطبخة\!!! العالم يفكر بهذه العقلية وليس بسذاجة أمشي اسلم عليه وهو يرد بفتح أبواب النعيم علي.!!!! اخشى ما اخشى على السودان هذه الخفة وهذه السطحية!!!
    كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا

  2. لا ادري ما هي المعايير التي تم علي ضوئها اختيار حمدوك رئيسا لحكومة الثوره وقيادة البلاد في هذه المرحلة الاحرج في تاريخ بلادنا ؟ لمع اسم حمدوك عندما تم ترشيحه وزيرا للماليه في حكومة معتز موسي.قبل ذلك الترشيح لم يسمع احد بحمدوك.
    عندما تم تعينه رئيسا لحكومة الثوره وفي اول صحفي له كان يتحدث بمثالية وايمانه التام بالديموقراطيه وان الصحافه هي السلطه الرابعه وهذه محمدة منقوصه لان البلاد مازالت تحت سيطرة من لا يعرفون معني الديمقراطية ويعتبرون كل من لا ينتمي لتنظيمهم الارهابي عدوا لهم استباحوا بلادنا بعد غزوة 30 يونيو بقيادة عرابهم الهالك الترابي واصبح المال العام غنيمة ونساء السودان سبايا ورجاله من ما ملكت ايمانهم .نزل عليهم خطاب حمدوك التسامحي بردا وسلاما واستمروا في غيهم يعمهون دون رقيب اوحسيب.
    كانت نتيجة هذا الخطاب التسامحي ما نراه اليوم من فوضي عارمة تضرب اطناب بلادنا ندرة في الخبز وشح في الوقود وصيدليات ومستشفيات خاليه من الدواء واعلام الكيزان ما زال يحرض ضد الثوره مسيرات خضراء وتهديد علني باسقاط الحكومة والعوده الي السلطه. وتهريب للمال والذهب الي مشارق الارض ومغاربها عبر البنوك ومطار الخرطوم علي عينك يا تاجر كما يقول المثل العامي.
    عجزت حمدوك وحكومته عن تنفيذ مطالب الثوره والقصاص للشهداء وارجاع المال المسروق. وتفكيك دولة التمكين .لم يراجع حمدوك الاداءالضعيف والجبان لبعض وزرائه مثل فيصل محمد صالح واسماء عبدالله ووزير الماليه وغيرهم حتي رئيسة القضاء التزمت الصمت المريب استغل هولاء ضعف شخصية حمدوك كما استغلها الصادق المهدي والشفيع خضر والمجرم الغازي صلاح الدين فاصبح دليله الهبوط الناعم والمصالحه التاريخيه والتخبط يمنة ويسرة اجتماع مع المجرم الغازي صلاح الدين ومجرمي الموتمر الشعبي لم يكاشفنا حمدوك ما السبب الذي جعله يجتمع بهولاء القتله ودماء الشهداء الاماجد لم تجف بعد.
    علي حمدوك ان يجلس مع نفسه في ساعة صفاء ويقرر هل هو رجل هذه المرحلة الاحرج في تاريخ بلادنا ؟ ان كانت الاجابه بنعم فليثبت لنا ذلك بقرارت ثوريه خاصة وان له شعبية عارمة وسط الثوار وان كانت الاجابة بلا فليترجل فهو اكرم له قبل ان تتم الاطاحه به ونقول له سعيكم مشكور.

  3. الابداع السياسي

    هناك طريقة في التفكير السياسي لم نمارسها بعد في الفضاء السوداني: ماذا لو نقارب الفعل السياسي بوصفه إبداعاً وموهبة تشترط مهارة خاصة جداً. إننا في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه المقاربة؛ لأن جوهر الأزمة السودانية اليوم سياسي وإن كان يُعبر عنه بتمظهرات أخرى. ولا ننسى أن السياسة برامج وأفكار ومشروع، وكيف نكون أفضل وأعلى كرامة مادياً وحقوقياً يمثل السؤال الأكبر في المشروع.
    فاليوم نعرف ركوداً وحالة من التكلس في الحلول السياسية، وقلما نسمع عن فكرة مبهرة أو مشروع يعِد بشكل حقيقي بالتطور والتقدم. بمعنى آخر، فإنه هناك ما يمكن أن نصفه بالفقر وقلة الإبداع السياسي.
    كل مجالات الفعل الاجتماعي لا يمكن أن تزهر وتثمر إلا بالإبداع. وكل المنجز الإنساني هو نتاج الإبداع ولا شيء غيره. بالنسبة إلى كيفية تمثل المجتمعات العربية للإبداع، فهو أضيق من حقيقته الشاسعة: ينحصر الإبداع لدينا في الأدب والموسيقى والرسم، وغير ذلك من الفنون. في حين أن هذه الحقول الإبداعية، التي تندرج ضمن ما يسمى الثقافة العالمية ليست كل الإبداع. قد تكون الحقول المذكورة هي الأقرب إلى النفس والوجدان والذوق، لكن كل فعل اجتماعي، من المفروض أن يعكس القدرة على الإبداع؛ لأن الفرد وحده يستطيع الإبداع، ووحده يمتلك باقة مما يسميه ماكس فيبر المعاني الذاتية.
    ان الإبداع ليس في متناول الجميع. وليس بالنبتة التي يمكن أن تنمو في أي أرض مهما كانت بوراً وعطشى. مع العلم، أن الإبداع بالمعنى الفسيح وغير الصارم يعد شرطاً من شروط حياة أي فرد ومجتمع. ففي حياتنا اليومية نمارس الإبداع يومياً دون أن نشعر: نجتهد من أجل إيجاد الحلول للمشكلات السهلة والتافهة، والأخرى الكبيرة والصعبة.
    إذن الإبداع هو في شكل من أشكاله تقديم إجابة ما وتذليل لمشكل معين. وهنا نتساءل عن مدى قدرة النخب السياسية الحاكمة في الفترة الانتقالية قادرة على ممارسة الحد الأدنى من الحلول الحقيقية لا الوهمية. فرجل السياسة الحقيقي هو من يقترح الحلول ويتميز بجرأة التنفيذ والإقدام. فنحن جميعاً ودون استثناء نمنحه ذلك الكرسي وتلك الامتيازات لأنه أقدر منا على إيجاد الحلول ومعالجة الأزمات الحاصلة. لا معنى لأي حقيبة وزارية خارج هذا التصور للإبداع السياسي.
    ولا نظن أن الإبداع الذي نرنو إليه هو ذاك الذي لا يتعدى الرهان على الضرائب والنجاح في الحصول على قروض مرتفعة الفائدة لتمكين المواطنين من أجورهم. فهذا فقر مدقع في الإبداع السياسي.
    المفروض أن كل من يقبل بمنصب رفيع في الدولة أن يكون صريحاً في مدى قدرته على الإبداع السياسي من عدمها؛ وذلك كي لا يسارع فيما بعد إلى تبني خطاب عدم امتلاك العصا السحرية. ومن لا يمتلك هذه العصا فليعرف حق قدره وينسحب من النخبة الحاكمة.
    لا شك في أن الأوضاع الاقتصادية والمالية صعبة اليوم في غالبية الدول العربية، وأن هذه الأوضاع هي ليست فقط نتاج ثغرات ومشكلات تنموية داخلية، بل هي أيضا نتيجة ما تعصف بالاقتصاد العالمي من مشكلات وتغييرات نحن لم نتأقلم ونتكيف معها بعد. لكن هذه الصعوبة ذاتها هي التي تفرض عدم القبول إلا بقامات سياسية قادرة على الإبداع السياسي والاقتصادي. فالمرحلة مرحلة مبدعين وأذكياء وعقول خارقة للعادة، وليست مرحلة عادية ومستقرة وسهلة.
    ان الإبداع السياسي هو أن تتحول اقتصاديات البلدان العربية إلى خلية نحل… أما الإسراع نحو الحلول السهلة والوقتية المتمثلة في طلب قروض كما يحصل في بعض الدول ففي نظري هو أشبه بمن يعالج مرضاً عضالاً بحبة أسبرين.
    صحيح أن السياسة هي فن الممكن، لكنها أيضاً إبداع الحالمين بمجتمعات أفضل. ذلك أن السائس هو الذي يقدم الحل، وليس دوره تقديم مشكلات مؤجلة في شكل حلول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..