مقالات وآراء

عسكرة الوعي و مقتل الانسان المدني

مجدي اسحق
أرسل لي صديقي مجموعة من الرسائل تحكي تجاربه وإحباطه بعد رجوعه إلى أرض الوطن، محاولاً أن يعيد جزءاً من حياته التي افتقدها في سنين الحرب، وإعادة إعمار منزله الذي هجم عليه الأوباش فمزقوه، وسرقوا ما فيه، وحرقوا ما تبقى.
حكى لي بكل حسرة عن موجوداته المفقودة، ورحلاته بين مراكز الشرطة، وشكواه هنا وهناك بكثير من المرارة.
كان يحكي عن بعض مقتنياته التي علم أن أحد منتسبي القوات النظامية قد استولى عليها، ولكنه فشل في أن يستردها منه، لأنه احتمى بالمؤسسة التي ينتمي إليها.
فحكى إليّ، وهو يتحسر، بأن النصيحة التي قُدمت له كانت أن يبحث عن قريب له من تلك المؤسسة له رتبة أعلى، يستطيع أن يفرض على منتسبها إرجاع ما قد نهبوه.
تقطعت كلماتي بالحسرة على ما فقدنا، وعلى الوطن في واقعه الجديد.
تحدثنا، فشعرت أنه من الضروري أن أسجل ما يحدث بصورة علمية وموضوعية، وفتح أبواب الحوار فيه، حيث إن أخطر نتائج الحروب الأهلية دائماً ليست فقط تدمير البنية المادية للمجتمع، بل تأثيرها الكارثي في تشكيل المنظومة النفسية والمعرفية والأخلاقية التي يعيش الناس فيها.
فالحرب لا تنتج مجرد ساحات قتل ودمار، بل تنتج نظاماً اجتماعياً جديداً تحكمه قوة السلاح، فيه السلطة لمن يمتلك أدوات القتل والدمار.
تصبح القوة لمن يملك السلاح لا للمؤسسات، ويصبح الخوف هو ما يسيطر على المجتمع لا القانون، وهنا يصبح المجتمع محكوماً بقانون الغاب، حتى ولو ظهر شكله الحداثي في الخارج.
إن أخطر الكوارث هي عندما تنتقل السلطة من القانون إلى السلاح، حيث إن الواقع الطبيعي تكون فيه السلطة عادة مدنية، يتم رسم حدودها بين القانون والقضاء والمؤسسات من خلال توافق مجتمعي، وأخلاق، وتقاليد تحاكم الممارسات.
لكن الازمة عندما تصبح لمن يملك شرعية القهر ومن يملك القدرة على الإكراه، والذي يمتلك أدوات القمع و تصبح المرجعية لمن يمتلك السلاح.
حينها يصبح السلاح ليس وسيلة تستعمل في آخر المطاف للدفاع عن السلام و أداة لتنظيم المجتمع وبل يصبح أداة تشكل المكانة العلاقات والمصالح و تتغير فيه معايير العدالة، حيث لا تصبح العدالة لمن يملك الحق، بل لمن يملك القوة.
هنا نصل لأسوأ نتائج الحروب وهي إعادة تعريف معنى الحق ليصبح الحق لمن يملك أدوات القمع والقهر، لا لمن يملك الحقيقة إلى جانبه.
في هذه الظروف تبدأ تتكون قناعة جديدة بأن البقاء للأقوى، وتتراجع كل القيم الإنسانية والمدنية من مفهوم الاحترام، والاحتكام للقانون، والثقة في المؤسسات، ومفهوم الحوار والتنازل والتفاوض، ويحل مكانها ثقافة جديدة تسيطر عليها مفاهيم الخوف والسيطرة والردع.
هذا يقود المجتمع تدريجياً ليصبح في واقع فوضوي عندما يرى أن القانون لا يحمي، وتصبح المؤسسات منهارة أو غائبة، ويصبح القضاة لا وجود لهم، والشرطة ضعيفة، خاصة في واقع قد اختفت فيه من الحياة لمدة فاقت العامين، وكان لها غياب وعدم وجود في الواقع.
إن المجتمع الذي يفقد إحساس الأمان وتنعدم فيه قوة المؤسسات التي تفرض العدالة، يصبح يعيش تحت التهديد.
عندما تغيب عن الإنسان الحماية المؤسسية، يصبح القلق والتوتر والتهديد هو الثقافة السائدة.
تتغير التركيبة النفسية للمجتمع، فيصبح الخوف واقعاً وجودياً يومياً، والقلق هو التفاعل الطبيعي مع ظروف الحياة، والتأهب هو حالة الاستعداد وتوقع الأسوأ.
هذا الواقع النفسي يجعل العقل دائماً موجهاً نحو البحث عن طرق النجاة والحماية وتوقع الخطر، حيث تصبح غريزة البقاء هي التي تسيطر على ثقافة المجتمع.
هذه التركيبة النفسية الجديدة تستند على ارتفاع مستوى تضخم الخوف والشعور بالتهديد الدائم، ويصبح الشك هو الذي يسيطر على واقع المجتمع، ويصبح أي إنسان أو شريحة اجتماعية مصدراً محتملاً للتهديد والانفجار.
فيبدأ تراجع الثقة بين شرائح المجتمع، وتنهار جذور التواصل بين الشرائح الاجتماعية التي كانت توفر إحساس الأمن والأمان داخل المجتمع.
هنا تصبح الكارثة الحقيقية عندما يصبح العنف سلوكاً طبيعياً، ويفقد المجتمع إحساسه الأخلاقي تجاهه، وتنتشر الرغبة في التسلح، لأنه في انهيار الدولة يشعر الفرد بأنه يفتقد الحماية، لذلك يبحث عن الانتماء والدفاع والانحياز إلى جماعة مسلحة، والبحث عن حماية قد تكون جهوية أو قبلية.
وقد لا يكون ذلك دائماً بسبب حب العنف، بل لانعدام الأمان وانهيار الثقة بالمؤسسات.
إن المشكلة أن هذا السلوك قد يبدو دفاعياً، ولكنه يساهم في توسيع دائرة العنف، وزيادة ثقافة الشك، وتكريس منطق القوة، فتدخل كل المجتمعات في حلقة مفرغة من الخوف والتهديد والتسلح، وتستمر دائرة الخوف، وتستمر عقلية العنف والتخوين.
هنا تبدأ الشخصية المدنية في التراجع، تلك التي تعتمد على الصبر على الإحباطات واحترام القانون وقبول الاختلاف، لأن الإنسان قد أصبح يتشكل بعقلية العنف والحسم والاستعجال، حيث لا ثقة في الآخر.
تصبح العدالة هي مقدرتك على استلاب حقك بالقوة ما دام القانون غير موجود، فيصبح المجتمع أقل قدرة على التعايش وبناء المنظمات المجتمعية والمؤسسات.
إن أخطر ما تفعله الحروب هو عندما يتحول هذا القهر والعنف إلى واقع طبيعي، يعتاد الناس فيه على مناظر السلاح ونقاط التفتيش والاعتقال والخوف والتهديد، ويصبح القهر كأنه واقع طبيعي، ويصبح المجتمع لا يستطيع أن يتخيل نفسه في واقع مختلف عن هذا.
فهي لا تقود فقط إلى تدمير الحاضر، بل حتى إلى سرقة القدرة على الحلم بالمستقبل، حتى لا يشعر الإنسان بالأمن إلا في وجود السلاح.
إن المجتمعات المتوازنة لا تُبنى بالسلاح والخوف، بل بالثقة والأمن في المؤسسات ونشر ثقافة الأمن المدني، حين يصبح السلاح ليس هو الذي يقدم الشعور بالحماية.
لذلك فإننا يجب أن نركز جهدنا على ألا نجعل من وعي الخائف وعياً يستند على لغة العنف والسلاح، يشكل إنساناً يعيش تحت عقلية التهديد، وتصبح العدالة مرتبطة بالسلاح، ويصبح الوطن فضاءً مليئاً بالخوف يفتقد فيه الإنسان قيمته، ويصبح المجتمع كله يدور حول العنف.
إن ما يزيد هذه الأزمة عمقاً هو عندما يتم استدعاء المواطنين للتسلح، وتبدأ المؤسسة العسكرية في الاستنفار ودعوة المدنيين لحمل السلاح وإنشاء قوات موازية، ويبدأ تقديم الامتيازات والمال لهذه المجموعات.
إن المجتمع عندما يدخل في واقع حمل السلاح المفتوح للقبائل والمجموعات الجهوية والأفراد، فإن المجتمع يدخل في عملية خطرة، هي تفكيك احتكار الدولة للقوة، وهي من أخطر مراحل الانهيار السياسي.
إن ذلك يشكل لا يغير شكل الدولة فقط بل يشكل وعي المجتمع وثقافته، وتصبح القيم المجتمعية تنشأ على أن حامل السلاح يملك النفوذ، والمقاتل يحصل على المال، وصاحب القوة يفرض احترامه، بينما تتراجع قيم الفكر والكفاءة والمؤسسات المدنية.
إنه مجتمع ينهار ويعيد ترتيب سلم القيم، ترتفع فيه قيمة العنف، وتتراجع فيه قيمة الخبرة والتعليم والكفاءة والعمل المدني والإنجاز المهني، وتتصاعد فيه مكانة السلاح والقدرة على الردع والسيطرة والانتماء للمجموعات القتالية.
إن المجتمع يصل إلى مراحل انهياره حين تتراجع ثقافة البناء والإنجاز إلى ثقافة القوة.
إن عسكرة المجتمع لا تنتج فقط مقاتلين، بل تنتج هوية جديدة، حيث إن الاستنفار يخلق شعوراً نفسياً جديداً بأن السلاح هو مصدر الكرامة والوجود، والانتماء العسكري يصبح قيمة جديدة تعطي الأفراد هوية ومكانة اجتماعية، خاصة في مجتمعات كانت تعاني الفقر والتهميش وضعف فرص العمل، فيتحول السلاح إلى فرصة اقتصادية جديدة وهوية اجتماعية للترقي والتصاعد الطبقي.
وهنا تبدأ الحرب في إنتاج طبقة جديدة مرتبطة بالعنف، تتشكل وتخلق لنفسها وجوداً، وتصنع أمراء الحرب وتابعيهم وكل الذين يدورون في فلكهم.
إن واقع الحرب لا يستمر بدون اقتصاد وتمويل، ويظهر اقتصاد الحرب، حيث تبدأ مجموعات كبيرة تعيش على استمرار الحرب من أمراء الحرب وتابعيهم، وشبكات التهريب، وتجارة السلاح، واقتصاد النهب والتجنيد المدفوع، واقتصاد الحواجز والجبايات.
هنا تصبح الحرب ليس فقط صراعاً سياسياً، بل بنية جديدة ذات مصالح اقتصادية، وتبدأ فئات كثيرة تخاف من السلام لأنه يقود إلى هدم مصالحها وتفكيك اقتصاد القهر.
إن من أخطار عسكرة المجتمع أنه يقود إلى سلام هش مستقبلي، لأن أي عملية سلام تواجه معضلة خطيرة وهي كيفية تفكيك هذه القوة العسكرية الجديدة، لأن هذه القوة لا تنظر إلى السلام باعتباره نهاية مأساة، بل تنظر إليه باعتباره تهديداً لمكانتها الاجتماعية ونفوذها ومصادر دخلها.
لذلك تكون مفاوضات السلام ليست بحثاً عن الأمن والأمان للمواطن، بل كيفية الوصول إلى تنازلات وحصص عسكرية وامتيازات اقتصادية تُسكت بها هذه الشرائح المعسكرة، ويصبح السلام مجرد إعادة توزيع للقوة، وليس تفكيكاً لبنية القهر.
إن الاستنفار لا ينتهي بانتهاء المعارك، لأنه يخلق جماعات مسلحة، وهويات قتالية، ومصالح اقتصادية، وثقافة عنف.
فإنه حتى إذا توقف القتال، سيبقى السلاح والخوف والمطالب المتصاعدة، فتتحول الحرب من مواجهة مركزية إلى صراعات معلومة واحتمالات انفجارات متعددة، وبداية تشظيات جديدة يسود فيها التراجع في الحس المدني، ويصبح الحوار ضعيفاً في ظل غياب القوة العسكرية، وتبدأ مظاهر انهيار المؤسسات، لأن الثقة فيها قد تراجعت، حيث إن الواقع قد أثبت للناس أن السلاح أكثر فاعلية من القانون.
في ذلك الواقع تسيطر على المجتمع العقلية الأمنية، حيث يصبح كل خلاف مهدداً للوجود ويستدعي حضور السلاح، وتتراجع القدرة على الحوار.
إذن إن أي سلام لا يعالج اقتصاد الحرب، وانتشار السلاح، وكيفية دمج المقاتلين، وبناء مؤسسات مدنية، وإعادة الاعتبار للقانون، وهدم ثقافة العنف، فإنه يكون عملية معرضة للانهيار، لأن هناك بنية نفسية تؤمن بالحسم وقوة السلاح، ومصالح اقتصادية، وثقافة جديدة، ومراكز قوة ليس من السهولة أن تتنازل عن كل هذه المواقع.
إذن فإن هذا العنف وعسكرة المجتمع يقود لإعادة تشكيل المجتمع، وتغيير منظومة القيم، وإضعاف الثقافة المدنية، وصناعة اقتصاد للحرب، ويصبح السلاح وسيلة للسلطة، وهوية اجتماعية، وطريقاً للمكانة الاجتماعية الجديدة، ومصدراً للرزق.
وهنا تصبح الحرب قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى داخل مشاريع السلام، لأن الواقع الجديد الذي خلقته لا يجد استمراره إلا عبر منطق القوة والعسكرة، التي لا تجد لها مكاناً في مشروع ودولة السلام.
إذن فعلينا الوقوف اليوم قبل غد..
فالسلام يبدأ الان….
والمستقبل يبدأ من عملية التطهر والوقاية من جرثومة العنف والتفلت.
نبدأ بخطاب يمثلنا يرفض منطق القوة والسلاح يحمي ثقافة المدنية والسلام خطاب يدافع عن المؤسسية وقوة القانون نرفض الانزلاق لثقافة العنف والبحث عن عنف مضاد ليحمي مصالحنا نرفض الهروب للامام بحثا عن رتبة نستقوي بها على الآخرين فان ذلك وان أعطانا مكسبا مؤقتا وحمى مصالحنا اليوم، لكنه جرثومة المستقبل التي تكرس لشرعنة السلاح وتعزز ثقافة قوة العنف والدمار.
فلنرفض اغتيال الآنسان المدني في دواخلنا والا نجعل من ممارساتنا تقليدا جديد يرسخ لهدم المؤسسية ولنمنع الخوف والقلق أن تعطي للسلاح شرعية وأن يشكل مستقبلنا بثقافة الفوضى وقانون الغاب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..