بين السنابل والموز…. لغة الاستلاب وجرثومة الكراهية

مجدي إسحق
نرفض خطاب الكراهية
نبحث عن الأسباب ونتجاوز شرور أنفسنا
نرفض خطاب القبح والتوحش، ولا نصدق أننا قد سمحنا له بالعبور، نرى ثماره، ولا يخطر ببالنا أننا قد ساهمنا في تجهيز التربة وتوفير السماد. إن انتشار خطاب الكراهية يوجب علينا أن نتوقف عنده بالنظر والتحليل. فخطورة هذا الخطاب تدفعنا إلى البحث عن جذوره وتفكيك المسار الذي نشأ عليه.
إن خطاب الكراهية لا يقوم ولا ينبت من فراغ، بل على أرضٍ خصبة تمرّست على التعالي والسخرية من الآخر. لا أحد يشك أن خطاب الكراهية منبعه من قوى الشر، وهي من تعهدتها بالرعاية والاهتمام حتى قوى عودها، فأصبحت منها وإليها وجزءًا من تركيبتها ونسيجها.
لكن هل خطاب الكراهية ملكًا حصريًا لقوى الشر، أم إننا نجد جزءًا من بصماته وسط قوى التغيير؟ وهل خطاب الكراهية في تشكّله يخرج من قمقم قوى الشر فجأة، أم أنها مراحل تبدأ من مستصغر الشرر قبل أن تصبح جحيمًا يلتهم الأخلاق ويحرق ما تبقى من إنسانية؟ عندما ننظر لانتشار خطابات الكراهية والسخرية فإننا عادة نتوهم بأنهم ظاهرتين مختلفتين لا علاقة تربطهم ويحق لنا ان نتساءل هل لخطاب السخرية علاقة بخطاب الكراهية؟ إن السخرية هي طريقة تعبير يحمل داخلها عكس ظاهرها البريء نسبيا رسالة نقدية قد تحمل شحنات من العداء والازدراء. نجد عادة نوعان من السخرية إحداهما ضد الموقف والفكرة والأخرى ضد الذات.
حيث نجد سخرية الموقف تكون مؤقتة مرتبطة بظرف و تحمل شحنات أقل من الازدراء والعدوانية عكس سخرية الذات التي تكون ثابتة في كل الظروف و ترتفع فيها جرعات العدوانية والازدراء.
إن سخرية الذات ليست فكاهة بريئة بل عملية مقصودة وتحمل رسالة سالبة تجاه الآخر. في دراسات علم النفس الاجتماعي أن السخرية من الذات تساهم في ترسيخ الصور النمطية والسلبية عن المجموعات المستهدفة وتجعلها أكثر قابلية للقهر والعنف خير مثال نكات العنصرية ودراسات انتشار النكات عن اليهود في المانيا قبل ما تعرضوا له من تصفيات.
بل وجدت الدراسات أن السخرية هي الخطوة الأولى في سكة سحب إنسانية الآخر وجعله يصبح جزء يمثل الكل حتى يلغيه.
إن سخرية الذات تضع شرخًا كبيرا لأن السخرية في تركيبتها تأتي من موقع الأعلى من الذي يرى نفسه على حق ويمتلك المعرفة.هذه الرسالة المتعالية تفتح الباب لضعف الثقة وعدم الرغبة في التعاون والعمل المشترك. إن الذي يمارس السخرية نتيجة لاختزال الآخر في جزئية أو صفة يفتح الباب لضعف التعاطف الإنساني ويصبح من السهولة ان تطلق عليه مشاعر سلبية دون الشعور بالتعاطف والندم(لأنه…..ساكت).
حيث يصبح من السهولة إرسال مشاعر الغضب والاحتقار والكراهية دون وازع أو تعاطف أو ندم.على المستوى الآخر فإن الذي تقع عليه السخرية وتأثير التعالي والازدراء المستبطن نجد أنه عادة تتولد لديه مجموعة من المشاعر السالبة من التوتر والضيق والغضب نتيجة لجرح الذات وتلويث الهوية والكرامة والكبرياء.
هذا الواقع بين الطرفين يخلق علاقة مأزومة تتضخم فيه هذه المشاعر السالبة لتقدم أرضية مناسبة وتربة خصبة لخطاب الكراهية. هذا التحول النفسي لا يحدث صدفة بل تطورًا منطقيا ومتوقعا يبدأ بالتطبيع التدريجي مع الإهانة حيث يجعل التكرار تبدو الإهانة كأنها سلوك عادي ومع الزمن يفقد المجتمع حساسيته تجاه المفردة العدائية وما كان تجأوزا أخلاقيا يصبح مجرد مزحة. هنا يحدث انتقال تدريجي الى تحقير الانسان نفسه.
حيث يتم اختزال الانسان وتختفي صورته الكاملة ويصبح يتجسد في صفة كاريكتورية تنزع انسانيته ولا تسمح لمشاعر التعاطف الإنساني والندم من الوجود.هنا يصبح خطاب الكراهية ممارسة عادية ولغة سهلة الاستعمال وثقافة لا تجد الاستنكار لا يشعر أصحابها بحجم الضرر والتردي والتوحش الذي يتم.
أن السخرية تعتمد على التأثير العاطفي السريع وليس التحليل العميق مما يكرس لرؤية خاطئة عن الاخر ومما يزيد الوضع سوء أن السخرية تعطي إحساس مزيف بالتفوق.هذا الشعور الذاتي بالتفوق يصبح ممارسة السخرية ترياقا و وصفة ذاتية تغطي الضعف الداخلي وتصبح حوجة مستمرة لتحافظ على التوازن مما يجعل وتائر السخرية تزداد وكلما زادت جرعته تناقص الإحساس بألم الآخر وفتح الباب لاستعمالها كأداة فعال لتفريغ مشاعر الخوف الإحباط، الغضب بل والعدوانية والكراهية مغلفة في قالب اجتماعي مقبول. مع الزمن يتمزق هذا الغلاف تبدأ المشاعر السالبة من تعالي وعدوانية تظهر على حقيقتها وتصبح مشاعر الكراهية أحد تجلياته… إن ثقافة السخرية والتعالي لها جذورها وجراثيمها منتشرة في أوساط الحركة السياسية والاجتماعية بصورة عامة بل حتى بين قوى التغيير.
نجد أن قوى التغيير تستعمل خطاب السخرية كسلاح فعال ضد قوى القهر لكنها أيضا تقع في خطيئة استعماله في غير موقعه وقد يصبح جزء من ثقافة الاختلاف مع حلفاء اليوم والمستقبل. يؤكد علم النفس السياسي أن خطاب السخرية لا تختلف بين قوى التغيير والآخرين حيث يظهر بكل انواعه من سخرية الموقف لسخرية الذات .
حيث لا ينبت فجأة ولا من فراغ، بل يظهر في تربة من التباين والتناقض وثقافة استعلاء تفشل في التعامل معه فينزلق لهاوية التناحر. يبدأ برفض مواقف الآخر، ثم يسحب منه تدريجيا موقفه وإنسانيته نقدًا وتقليلًا.. إذا يصبح من الأهمية النظر لخطاب السخرية بين قوى التغيير، وتفكيك بعض أمثلته لمحاصرة هذا الوعي الزائف، حتى نستطيع السيطرة عليه قبل أن يصل إلى مراحل الكراهية والتناحر.. حيث نجد مثالا شائعا اليوم في إطلاق وصف «السنابل» على عضوية حزب المؤتمر السوداني، حتمًا ليس إعجابًا بما تنتجه السنابل من خير وفير، بل هو سخرية من تعبير استُخدم يومًا ما على ألسنتهم. وهي مثال يعكس واقع السخرية بين قوى التغيير. تقوم السخرية بوظائف متعددة، لكنها في هذا السياق تصبح خطيرة؛ إذ تحوّل الخلاف، حتى بين قوى التغيير، إلى إهانة رمزية. فالسخرية تلغي الاعتراف بالآخر وتقديره، مما يخلق ما يُعرف في علم النفس السياسي ب(نزع الشرعية النفسية)، ويضع الآخر في موقع أدنى داخل معسكر التغيير. ما يحدث ليس مجرد سخرية بريئة تمس المواقف بل هي سخرية تمارس جرح الذات، هو انحراف في وظيفة الخطاب المعرفي وتفكيك التباين في داخل قوى التغيير؛ إذ إن الخطاب الذي يفترض أن يكون أداة معرفية تساعد على النقد والتفكيك يعكس نقاط الالتقاء فتعمل عليها وتعكس نقاط الاختلاف لتجاوزها و يكون جسر تواصل قد يتحول إلى أداة إقصاء. هنا يصبح الخطاب داخل معسكر التغيير قائمًا على التمييز و يحمل مشاعر سالبة لا يفرق بين الفرق بين كيفية استعمال سخرية الموقف وسخرية الذات في مواقع الاختلاف السياسي بين الحليف في داخل قوى التغيير.حتما هذا السخرية ستكون الخطوة الأولى لخطاب الكراهية بين قوى التغيير حتى وان لم يكن معلنا فسيكون العامل السالب المستتر الذي سيرمي بظلاله على الحوار التحالفات والعمل الجماعي. نجد خطاب السخرية يستعمل أيضا مع الجماهير المستلبة. حيث إن الوعي الزائف الذي يجعل قوى التغيير تجهل على من يفترض أن تطلق سهامها.حيث نجد في قاموسها المستلب شرعية الهجوم على الجماهير المسحوقة والشرائح المقهورة إذا وقفت ضد قوى التغيير.
حيث نجد خطاب السخرية سائدا بين قوى التغيير في تجاهل وعدم وعي بتأثيره السالب على الجماهير المقهورة التي تم تغبيش وعيها، فاستبطنت القهر وأصبحت تدافع عنه وضد من هم يفترض حلفاءه في التغيير. نجد إن السخرية الموجهة نحو الجماهير التي تم استلاب وعيها خطاب أقرب إلى الاحتقار، حيث تُحاكَم الجماهير المغيبة باعتبارها جزءًا من القهر. وهذا يمثل قمة الانحراف في الوعي، لأنه يتجاهل مفهوم استبطان القهر، وكيف تمارس سلطته القمع حتى تدفع الشرائح المستلبة إلى تبني مفاهيمه داخليًا.
في هذا الخطاب، لا يتم فيه فقط احتقار الجماهير، بل تتحول الضحية إلى متهم. فبدل أن تسعى الشرائح الأكثر وعيًا إلى مساعدتها في التحرر وإعادة تشكيل وعيها، تصبح هي نفسها هدفًا للنقد والهجوم. وهكذا تتحول الجماهير إلى كتلة معادية، وتُصوَّر كخصم لقوى التغيير، رغم أنها كان يفترض أن تكون رصيدًا له. وبدل أن يكون الصراع على مستوى الوعي ومساعدتها على تجأوزه، تصبح هذه الجماهير ضحية لهذا الصراع. هذه الجماهير التي ينبغي للناشطين أن يتوجهوا لمساعدتها على تجاوز القهر الذي شكّل وعيها، نجد أنها تُواجَه بالسخرية، ويُوصَف أفرادها إما بأنهم مدفوعون من المتأسلمين، أو مخدوعون، أو طائفيون. كما ظهر وصف «جماهير الموز» كناية عن ثمن شراء الجماهير الصامتة التي وقفت داعمة للمؤسسة العسكرية.
وهي في حقيقتها نفس الجماهير المسحوقة التي تم استلاب وعيها، فأصبحت تدافع عن بنية القهر، وهي الأحق بالتعاطف والمساندة لتجأوز هذا المأزق. إن قوى التغيير عليها مسؤولية أخلاقية في الدفاع عن الضحايا ومساعدتهم في تجأوز القهر باعتبارهم شركاء في التغيير وذلك بمحاربة التضليل وتغبيش الوعي الذي يحاصرهم. نجد أن قوى التغيير، بدلًا من إبداء مشاعر التعاطف، تطلق أوصافًا ساخرة تقلل من مكانة هذه الجماهير، وتخلق حاجزًا نفسيًا يمنعها من أن تكون يومًا في موقع واحد مع قوى التغيير.
رغم أن هذا يفترض أن يكون هدف و مسؤولية قوى التغيير فكل من يسعى للتغيير ينبغي أن يعمل على استقطاب وجذب كل صاحب مصلحة في التغيير وليس عزلهم ،تنفيرهم وإبعادهم. ذلك بدعم وتوعية أكبر قدر ممكن من المقهورين ، لمساعدتهم على تجأوز القهر الواقع عليهم والوعي الزائف المسيطر عليهم. وتصبح المعركة الحقيقية ليست السخرية من حالة الاستلاب، بل المساعدة على تجأوزها. من جهة أخرى، تعكس هذه السخرية فهمًا سطحيًا يختزل التعقيد، ويعجز عن تحليل الاختلافات، فيلجأ إلى تبسيط يغذّيه العقل العاطفي، حيث تنقسم الرؤية إلى «نحن الذين نملك الحقيقة» و«الآخرون» الذين يُوصَفون بأنهم فاشلون أو ساذجون أو مغيَّبون. إنها مفارقة الوعي الزائف الذي يجعل قوى التغيير تسخر من ضحايا الوعي الزائف بشعور التفوق، مما يعكس شكلًا آخر وتجليًا جديدًا لبنية القهر في صورة مختلفة. بنية ترى فيها شريحة تفوقها وتقوم بإقصاء الضحايا والتعالي عليهم. هذا الخطاب سيخلق حاجزا. من عدم الثقة والتشظي بين شرائح المجتمع يتم فيها استنزاف القوى بين قوى هي في حقيقتها رصيدا للتغيير وليس عدو له. فالمشاعر السالبة والعدوان يفترض أن تتجه نحو بنية القهر، لا أن تتوزع بين القوى المدنية التي تحمل ذات الهموم، ولا نحو الجماهير المستلبة التي فرضت عليها بنية القهر ألا تدرك مصالحها. وعليه، فإن الخطاب الذي كان ينبغي أن يتحرك لهدم بنية القهر في وعي الضحايا، وإعادة توجيه طاقاتهم ضد من استلب وعيهم، ينحرف إلى السخرية من موقعهم.. وعلى مستواها الأعمق، تصنع هذه السخرية حواجز نفسية من انعدام الثقة، وتضعف القدرة على التحالف أو الحوار على أساس الندية. وبذلك تمثل مرحلة مبكرة من خطاب الكراهية؛ فالكراهية ليست عملية فجائية، بل هي مسار تراكمي يتطور تدريجيًا. هو مسار يبدأ بالسخرية والاستهزاء، حيث يتم تصنيف الآخر، وتتحول الوصمة إلى هوية جديدة.
ومع هذه الهوية، يصبح الإنسان الذي كان مناضلًا ورفيق درب في النضال والاعتقال «سنبلة» و المقهور الذي نسعى لتوعيته ليعلم من ظلمه يصبح «موزة» أو «طائفيًا». بعد ذلك، يتم سحب إنسانيته السياسية، مما يقود إلى زرع التوتر، ورفض التفاعل، وخلق حواجز نفسية تمنع الاستماع والتعاون، واستعداد للتنافر وحالة للدفاع و للصدام. هذه العملية يُطلق عليها في علم النفس التحرري (تدرّج العنف الرمزي)، الذي يتحول لاحقًا إلى (عنف اجتماعي) وهو عادة التربة الخصبة لعدم الثقة وخطاب الكراهية.
هنا يبدأ واقع التشظي بين قوى التغيير من توجيه الطاقة نحو بنية القهر، يتم استنزافها في صراعات أفقية، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج القهر؛ لأن بنية القهر تعتمد أساسًا على عقلية التعالي والإقصاء و تفكيك أي جبهة مدنية موحدة. إن حملات السخرية تفقد الجميع البوصلة الأخلاقية، حين تصل الجميع فأنها تسأوي بين من هو عدو للتغيير ومن هو مختلف معنا في الوسائل حيث كلاهما سينال نصيبه من سهام السخرية. فيصبح وكأن الجميع متسأوون في الجريمة والخطأ، سواء من يقود بنية القهر أو من يختلف معنا في الرؤى السياسيًة. هذا الخلط وهذه المسأواة الزائفة تعكس غياب الوعي الموضوعي الذي يدرك معنى التحالف على الهدف والاختلاف في الوسائل. هذا الخلط يعكس عقلية الوعي المزيف الذي يستهلك طاقات التغيير في غير موقعها فتظهر نغمة تتجلى في وصف الشعب بأنه سلبي ومغيّب بدلا أن توجه لبنية القهر التي ساهمت في استلابه. في زمن الحرب، تتعرض الجماهير لسيطرة كثيفة للمشاعر، ما يخلق قلقًا عميقًا لدى بعض النخب، فيُعبَّر عنه بتقليل قيمة الجماهير بدلًا من فهم تعقيدها. ويستند ذلك إلى شعور ذاتي متضخم، لا يعي مستوى الذاتية السياسية الضيقة التي ترى في نفسها طليعة واعية تحمل عبء التغيير. وهذا يقود إلى عدم قبول الآخر، وعدم تحمّل الاختلاف، وازدراء كل من لا يتوافق معهم. يتم ذلك عبر أدوات الوعي الزائف، مثل التعميم المفرط تعميم حالات فردية على الكل واختزال الإنسان إلى مجرد وعي زائف أو «قطيع» من المؤيدين أو المنتفعين، مع تجاهل بنية القهر والتاريخ والظروف الموضوعية والمادية التي شكّلت واقع الطبقات المسحوقة. هذه الطبقات التي دفعتها ظروفها إلى الضعف المادي والنفسي والمعنوي، حتى تبنّت ثقافة الشريحة المسيطرة واستبطنت القهر ودافعت عنه. ومع ذلك، لا يتم تفسير واقعها تفسيرًا علميًا موضوعيًا يأخذ في الاعتبار عوامل الخوف والقهر وغريزة البقاء، بل يُستبدل ذلك بثنائية ساذجة: «نحن نفهم وهم لا يفهمون»، وتُستخدم السخرية لتأكيد هذا الانطباع.
إن استبطان القهر لا يقتصر على الشرائح المقهورة، بل يمتد إلى النخب نفسها، التي قد تتبنى، دون وعي، مفاهيم بنية القهر. فثقافة السخرية والاحتقار والتعالي هي جزء من هذه البنية، وتمثّل شكلًا من أشكال استبطان القهر والدفاع عنه. وهكذا، بدلًا من تحرير الجماهير، يتم محاكمتها؛ وبدلًا من توجيه الغضب نحو بنية القهر، يُوجَّه نحو الحلقة الأضعف: الحلفاء المختلفين سياسيًا أو الجماهير المستلبة. هذه العملية تمثل شكلًا من ما يعرف بحالة (الإزاحة النفسية)، حيث تنفصل النخبة نفسيًا ومعرفيًا عن الجماهير، وتتعامل مع نفسها بوصفها متميزة حتى إن لم تُصرّح بذلك لكن لغة السخرية والاحتقار تكشف هذا التصور. ونتيجة لذلك، تتشكل جزر معزولة داخل قوى التغيير، تعجز عن العمل الجماعي أو مواجهة بنية القهر بفعالية. هذا الانفصال يجعل من الجماهير يمكن أن تصبح كبش فداء(جهلهم هو الذي أفشل حركة التغيير).
إن الضغط النفسي الناتج عن التنافر المعرفي الناشئ من إيمان الشرائح بالتغيير مقابل عدم تحققه يولّد توترًا معرفيًا وقلقًا نفسيًا، فيُصار إلى لوم الجماهير (الحلقة الأضعف )بدلًا من مراجعة الآليات والاستراتيجيات. وفي المقابل، تنسحب الجماهير وتفقد الثقة، وتلجأ إلى هويات بديلة قبلية أو عشائرية توفر لها الأمان والقبول والانتماء والدعم. ينتشر خطاب السخرية عادة بسرعة، ويُعد في علم النفس السياسي خطابًا مغريًا نفسيًا، لأنه يحقق مكاسب فورية: يمنح شعورًا زائفًا بالتفوق، يخفف الإحباط، يبرر الفشل، يبسط الواقع المعقد، ويوفر «كبش فداء» تُلقى عليه المسؤولية لكن تكلفته عالية؛ إذ يؤدي إلى إضعاف قوى التغيير، وفقدان الجماهير، ودفعها نحو مزيد من التماهي مع الهويات البديلة، بل وتعزيز ارتباطها ببنية القهر نفسها.
كما يفضي إلى تفكيك الثقة بين قوى التغيير والجماهير. إن لغة السخرية ليست مجرد خلل أخلاقي، بل عرض لخلل نفسي سياسي معرفي، يؤدي إلى فشل في إدارة الاختلاف داخل قوى التغيير، وضعف في فهم واقع الجماهير المستلبة. فالجماهير ليست موضوعًا للتقييم، بل شريكًا في عملية التغيير. وحتى إن تراجعت في وعيها، فإن احتقارها لا يقدّم شيئًا، بل يدفعها نحو الطرف الآخر، ويعقّد فهمها بدلًا من الاقتراب منها. كما أن هذا الخطاب يدفع المستلبين إلى تبني عقلية القهر؛ لأنه يهدد هويتهم وكرامتهم. فعندما تُستخدم لغة تقلل من قيمة الفرد أو مكانته أو دوره، تكون الاستجابة النفسية غالبًا دفاعية: رفض، وانحياز لمن يمنح الاعتراف. وهكذا، قد يتمسك أعضاء الأحزاب المستهدفة بقناعاتهم أكثر، كما تنحاز الجماهير إلى قياداتها التقليدية. وعليه، عندما يشعر الفرد بأنه مُحتقَر أو موضع سخرية، فإنه لا يتغير، بل يميل إلى التصلب والصمود دفاعًا عن ذاته. . نحن لا نريد أن نعرّي فقط ثقافة السخرية والوقوف عند ذلك، بل يجب تجأوز ذلك والسعي لبناء العلاقة التي دخلت مساماتها أحاسيس الغضب وجرح الكرامة وإحساس الاستخفاف وعدم الاحترام. يجب أن نتبع العقل الموضوعي لبناء خطاب الاحترام والتقدير والعمل المشترك، لترسيخ معاني الاحترام وبناء جسور الثقة. هي خطوة تقفل الباب أمام خطاب الكراهية، وتعيد لقوى التغيير توازنها، وترفع مستوى سقفها الأخلاقي والإنساني، وتعبّد طرق العمل المشترك وجسور الثقة بين قوى التغيير. إن درب الوعي يبدأ من هنا فهل نظرنا لأنفسنا وتطهرنا من رجس خطاب السخرية وقمنا إلى محراب التغيير جماعة متماسكة تحتفي بالآخر تحترم التباين وتنظر للأمام نحو مستقبل وطن العدالة والسلام.




خلاصة الأمر
د. أحمد عيسى محمود
عيساوي (٠١٢١٠٨٠٠٩٩*٠٩٠٦٥٧٠٤٧٠)
(دولة دارفور)
شرط أساسي لكي تكون قائدًا حمدوكيًا يشار إليك بالبنان أن تتحدث باسم الشارع بناءً على صك غفران حكومة فولكر (الشرعية الثورية). ولكي تكون في دائرة الضوء لابد أن تتبنى خطاب (ماعدا المؤتمر الوطني) وتدافع عنه. وليس بالضرورة أن تكون أسرتك الصغيرة (الوالد والوالدة والزوجة والأبناء) في السودان مقتنعة برأيك، بقدر ما يهم الكفيل أن تسير بتصريحاتك تلك قرى وحضر الميديا. هذه الأيام نلاحظ حملة ممنهجة من ذات (البراميل الفارغة) التي سئمنا طلتها عبر الشاشات تجاه البرهان كقائد عسكري وليس كرجل سياسة. وللأسف نجد بعض من الإخوة الصادقين قد انطلت عليهم تلك الحملة. وقد أبدى الحمادكة تخوفهم من انفصال دارفور. والشواهد في نظرهم (جيش وعملة وبنك وامتحانات شهادة ثانوية) في مناطق سيطرة الدعم، كل ذلك مؤشر خطير لفصل الإقليم. في تقديرنا ما تم عبارة عن عبث مشترك ما بين الحمادكة والدعم بأمر الكفيل. ويعلم الشارع بأن انفصال دارفور هدف إستراتيجي عند الحمادكة قبل الدعامة. أما التباكي الممجوج حول قميص عثمان ما هو إلا حيلة ماكرة لضرب التلاحم بين البرهان والشارع. وخلاصة الأمر نناشد الشارع بعدم الالتفات لمثل تلك الدعوات الكذوبة. دعوا البرهان وشأنه العسكري. فهو قادر من بعد الله سبحانه وتعالى على إعادة الدولة لسيرتها الأولى. شاء مَنْ شاء، وأبى مَنْ أبى، ولكنكم قوم تستعجلون.
الأثنين ٢٠٢٦/٨
نشر المقال… دع القيادة لصاحبها وتمتع برحلة عودة الوطن.
ويبقى الود
إلا المؤتمر الوطني..
دكتور عمر كابو
** عظيم هذا الحزب الوطني العظيم في شموخه وعنفوانه وتاريخه وإنجازه ورموزه وكبريائه..
** فالمؤتمر الوطني أثر باقٍ في السودان ما بقى بعون الله وطنًا حصينًا محصنًا بآيات الله المحكمات..
** إنجاز لا تخطئه العين في كل مجال ومسافة ومحفل ،،طرقات ممتدة وكهرباء مضيئة وشوارع مسفلتة وجامعات شاهقة ومدارس سامقة وسدود فاعلة ومستشفيات منتشرة ومنظومة دفاعية (بطيرانها وذخيرتها ودباباتها) مدهشة ،، ونفط أوفر للصادر..
** مبانٍ متراصة لكل أسلحة الجيش والشرطة وجهاز المخابرات العامة وعواصم الولايات..
** ما أنجزته الإنقاذ حكومته عجزت كل الحكومات السابقة والتي أتت بعدها أن تنجز عشره ،، باختصار أتعبت وستتعب من جاء ويجيء بعدها..
** المعجزة الحقيقية أنها فعلت كل ذلك في ظل حصار ضرب عليها من ((قولة تيت)) فلم تحفل به لأنها توفرت على عقول ملكت رصيدًا هائلًا من الإرادة النافذة والحكمة الرشيدة والذكاء الوقاد والقدرة العالية على إحداث التغيير..
** من بإستطاعته أن يمحو مثابرة وعطاء وصدق وتجرد الرجال :— عوض الجاز وهو يخرج النفط ؟ وإبراهيم أحمد عمر وهو ينشر الجامعات ومأمون حميدة وهو يتيح الخدمة الصحية لكل مواطن مستشفى أو مركزًا صحيًا؟ وجنيف وهو يقترب من الاكتفاء الذاتي للبلاد قمحًا طاعمًا وأسامة عبدالله وهو يقيم السدود ومكاوي وهو يضيء السودان بكهرباء وعماد حسين وهو يقود أعظم ثورة اتصالات في افريقيا ومحمد عبدالماجد الصادق وهو يبث الإذاعات الولائية في كل حي وقرية وعبدالرحيم محمد حسين وهو يشيد للجيش والشرطة كل هذا العمران الفريد وعلى الحاج محمد وهو يرسي دعائم الحكم الفدرالي مشاركة للجميع مداولة السلطة وكمال عبداللطيف استخراجًا للمعادن وأحمد هارون وهو يبسط الأمن والأمان المواطن بشرطة مجتمعية مذهلة وعلى كرتي وهو يعبيء طاقات الأمة بقوات دفاع شعبي كسرت شوكة تمرد منذ استقلال السودان ؟؟؟
** من الذي يستطيع أن يتجاوز مشروعات تنموية في كسب محمد طاهر إيلا في بورتسودان وود مدني وشرف الدين بانقا وعبدالحليم المتعافي ومجذوب الخليفة الخرطوم وعبدالرحمن الخضر وعوض الله موسى على في القضارف وعبدالحميد كاشا في جنوب دارفور وإبراهيم محمود وجعفر محمد علي وآدم جماع في كسلا وإبراهيم الخضر في الشمالية وأنس عمر في الضعين ونور الله في النيل الأبيض وأحمد كرمنو في النيل الأزرق وأحمد عباس في سنار والهادي محمد علي معتمدًا في عطبرة ؟؟؟!!!
** من ذا الذي يستطيع أن يتجاوز قمة شهباء في مثل إبهار أحمد الشايقي في زادنا والحاج عطا المنان في شريان الشمال وعلى عثمان في بنك الطعام وبدرية سليمان في التشريعات والمراسيم والترابي في الدستور والقوانين وجلال محمد عثمان ومولانا أبوسن في القضاء وفتحي خليل في العمل النقابي وغندور في اتحاد العمال والرزيقي في اتحاد الصحفيين والطيب مصطفى في تلفزيون السودان؟؟؟!!
** لذلك لم ولن نستغرب عبارة ((إلا المؤتمر الوطني)) التي خططت لها الصهيونية العالمية بذكاء حاد لأنها تعلم أن ((الكيزان)) هم أخلص السودانين وأبرهم لوطنهم..
** هي تعلم أن مهمتها ظلت عسيرة في اختراقهم عبر جرائر العمالة والارتزاق والارتهان لأجندتها ولذلك عمدت واعتمدت خطة تقوم على اغتيال رموز المؤتمر الوطني سياسيًا بإلصاق أكذوبة الفساد بهم مع علمها أن فسادهم نسبة لا تذكر من فساد أي حكومة حكمت العالم..
** ذاك مبرر كاف لعودة الوعي الشعبي الواسع الذي أدرك أنه دفع ويدفع فاتورة باهظة التكاليف الآن بسبب مغادرتهم السلطة والتي أضحت البلاد بعد ذهابهم ضيعة تخبط واضطراب وبلبلة وفساد..
** راجعوا بهدوء وتريث سيرة الذين يرفعون هذا الشعار ستجدون أي واحد منهم لا يخرج عن كونه أداة طيعة للأجنبي أو ناقم على الإنقاذ التي لم ترفع من مكانته أو لم تمنحه فرصة الإثراء بلا سبب فطفق يناصبها العداء السافر..
** راجعوا الذين يتشبسون بشعار ((إلا المؤتمر الوطني)) ستجدون أنه ينطوي على رذيلة أخلاقية أو تنصل من قيم الإسلام أو يبغض شرع الله الحنيف حريص على شهواته ونزواته..
** لم ولن يقول عاقل بأن تجربة المؤتمر الوطني كلها إيجابيات فقد حملت من الخطايا ما حملت لكنها في كل الأحوال كانت الأعظم والأشمخ والأفضل من كل الحكومات التي سبقتها ،، أقلهن فسادًا وأعظمهن عطاءً..
** من حسن الحظ أن الشعب السوداني يقترب من عامه الثامن من بعد ذهاب حكومة المؤتمر الوطني فإذا به ينفتح على تجربة كلها خمول ودماء ونهب وعمالة وخيانة حتى بات الشعب بعض أصابع الندم على ذهاب رجل عظيم باذخ المروءة والوطنية في مثل البشير..
** أما وقد زعموا بأن المؤتمر الوطني ذهب بثورة شعبية دون تدخل من الخارج فنحن الآن نتحداهم تحدٍ ظاهرًا أن يخلوا بينه وبين الارادة الشعبية..
** ولنحتكم جميعًا للانتخابات فإن فاز أي هوانٍ تافه ممن يتشدق بشعار ((إلا المؤتمر الوطني)) فسأعلن انسحابي الكامل من الحياة العامة إعلامًا وسياسة ورياضة وثقافة ونقابة..
** نكرات أدمنوا الاجتراء على محارم الله والافتراء على المؤتمر الوطني وإنا لزيفهم بالمرصاد،، سنتعقبهم واحدًا نفضح خبثه ومكره للرأي العام..
نداء عاجل
“النداء السوداني للكرامة الإنسانية ونقاء الفضاء الرقمي”
نحو فضاء رقمي خالٍ من الاستعلاء وجرثومة الكراهية
بناءً على التدهور الخطير الذي يشهده الفضاء الرقمي من انتشار لمفردات التوحش والقبح، وتجهيز التربة لخطاب الكراهية المستند إلى التعالي والسخرية من الآخر، نطلق هذا النداء الإنساني والوطني.
أولاً: إلى مستخدمي الفضاء الرقمي ورواد التواصل الاجتماعي
• الوقف الفوري لاستخدام الألفاظ والعبارات ذات الحمولة العرقية أو القبلية الاستعلائية.
• الامتناع التام عن تداول المصطلحات الممنهجة لتجريد الشركاء في الوطن والإنسانية من كرامتهم.
• استبدال لغة الاستلاب والتمزق بوعي جديد يتأسس على التناغم، واحترام الاختلاف، وتجاوز شرور الأنفس.
• محاصرة نبرة التشكيك والإحباط التي تسعى إلى هدم السلم والتماسك المجتمعي.
ثانياً: إلى إدارات المواقع الصحفية، ومستضيفي المحتوى
• تفعيل رقابة صارمة وفورية على أقسام التعليقات والمحتوى المنشور لتصفية “جرثومة الكراهية”.
• تطوير خوارزميات الحظر لتتبع الألفاظ الملتوية والمشفرة التي تُستخدم لتمرير العنصرية والاستعلاء العرقي.
• الحذف الفوري الإجباري لكل مادة تبث الفتنة، أو تروج لتمييز عرق على آخر، أو تحرض على العنف اللفظي والمادي.
• حذف المقالات والتعليقات التي تتخذ من خطاب الكراهية مادة أساسية لزيادة التفاعل والانتشار الرقمي.
إن حماية النسيج الاجتماعي تبدأ من نقاء الكلمة، وتطهير منصاتنا الرقمية من لغة الاستعلاء هو واجب أخلاقي لا يقبل التأجيل لمنع تحول هذه الألفاظ إلى وقود للدمار.
معا من اجل منصات وفضاء رقمي خال من جرثومة الكراهية والاستعلاء العرقي.
يا دكتور ما رأيك في هذا المقترح حتى نخطو خطوة عملية للإمام
مقترحك ممتاز والأفضل ان تنفصل دارفور لان قبائلها ليس لها علاقة بالسودان ولا تقاليد ولا عادات ولا لغة ومن الأفضل لهم ان ينضموا الى تشاد مرحليا لان باقى كل القبائل فى تشاد