الوليد مادبو يفكك مفارقة الذهب والجنيه: حين تصبح الثروة خارج الدولة وقودًا لانهيار العملة

حوار – المدى نيوز
ليست المفارقة أن يكون السودان غنيًا بالذهب وفقيرًا فحسب، بل أن تخرج الثروة من باطن أرضه بينما تنزلق عملته في الاتجاه المعاكس. هنا لا يعود انهيار الجنيه مجرد رقم يتغير في سوق العملات، ولا يصبح الذهب مجرد أطنان تضاف إلى سجلات الإنتاج؛ فبين المعدن الذي يغادر المنجم والدولار الذي لا يصل إلى خزائن الدولة تختبئ واحدة من أعقد حكايات الاقتصاد السوداني.
وحين كتب المفكر والأديب الدكتور النور حمد متسائلًا عن معنى أن ينتج السودان كميات كبيرة من الذهب بينما تنهار عملته بوتيرة مفزعة، أعاد السؤال الاقتصادي إلى أصله السياسي والمؤسسي: من يملك المورد؟ من يسيطر على استخراجه؟ من يشتريه؟ كيف يُصدّر؟ أين تذهب عائداته؟ ومن يملك حق التصرف فيها؟
هذه ليست أسئلة عن الذهب وحده. إنها أسئلة عن الدولة.
فالدولة قد تجلس فوق جبال من المعادن وتظل خزائنها خاوية، وقد تصدر ملايين الدولارات من الموارد بينما يبحث مواطنوها عن الدولار في السوق الموازية، وقد يزداد إنتاجها بينما تتراجع عملتها، لأن الثروة الطبيعية لا تصبح ثروة وطنية لمجرد استخراجها؛ إنها تصبح كذلك عندما تدخل في دورة اقتصادية تستطيع الدولة والمجتمع رؤية عائداتها ومراقبتها والاستفادة منها.
في هذا الحوار، يفتح خبير الحكمانية ومستشار التنمية الدولية الدكتور الوليد آدم موسى مادبو ملف الذهب والجنيه من الباب الأوسع: الدولة الريعية، والمؤسسات الاستخراجية، ولعنة الموارد، واقتصاد الحرب، والبنك المركزي، والتهريب، والشبكات العابرة للحدود، وتجربتا الكونغو وغانا، وما ينتظر السودان اقتصاديًا حتى إذا صمتت البنادق.
لماذا ينهار الجنيه رغم الذهب؟
لأن الذهب الموجود تحت الأرض ثروة جيولوجية، وليس احتياطيًا نقديًا. وحتى الذهب المستخرج لا يقوي العملة تلقائيًا. لكي يفعل ذلك يجب أن يتحول إلى صادرات معلومة، وعملات أجنبية تدخل الجهاز المصرفي، واحتياطيات لدى البنك المركزي، وإيرادات عامة واستثمارات إنتاجية. فإذا خرج المعدن وبقيت قيمته خارج الدورة الاقتصادية الوطنية، يصبح السودان غنيًا بالذهب وفقيرًا بالدولار.
إذن أين تكمن المفارقة؟
في أن السودان يستطيع زيادة إنتاج الذهب من دون أن تزيد بالقدر نفسه قدرة اقتصاده الرسمي على الحصول على النقد الأجنبي. قد يتحرك المعدن في اتجاه، بينما تتحرك العملة في الاتجاه المضاد. ولذلك فالمعادلة ليست: ذهب أكثر يساوي جنيهًا أقوى. بين الاثنين توجد دولة ومؤسسات وأسواق ومصارف وقوانين ونظام للصادرات، وإذا تعطلت هذه الحلقة انقطعت العلاقة بين المورد وقوة العملة.
هل السودان فقير أصلًا؟
السودان ليس فقيرًا بالمعنى البسيط للكلمة. لديه أرض ومياه وذهب وثروة حيوانية وموارد زراعية وموقع استراتيجي بالغ الأهمية. المشكلة أن امتلاك الموارد لا يعني امتلاك الثروة العامة. الثروة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع المؤسسات تحويل المورد الطبيعي إلى إنتاج وإيرادات وخدمات وفرص ورفاه اجتماعي. ولذلك يمكن أن تكون الدولة غنية في خرائط الجيولوجيا وفقيرة في حسابات الخزانة.
أين تذهب قيمة الذهب؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال كمية الإنتاج. من يستخرج؟ من يشتري؟ من يصدّر؟ أين تذهب حصيلة الصادر؟ ومن يملك الدولار الناتج عنها؟ فإذا خرج الذهب من المنجم إلى التاجر، ومن التاجر إلى وسيط، ثم انتقل عبر شبكة مالية خارج الجهاز المصرفي، فقد أنتج السودان سلعة ثمينة، لكنه لم يحصل بالضرورة على كامل قيمتها الاقتصادية الوطنية.
هل يمكن أن يزيد الإنتاج وينكمش الاحتياطي؟
بالتأكيد. يمكن أن يرتفع إنتاج الذهب بينما يتراجع احتياطي النقد الأجنبي إذا لم تدخل نسبة كافية من حصيلة هذا الإنتاج إلى النظام المالي الرسمي. ويمكن أن يعمل آلاف الأشخاص في التعدين وتتحرك تجارة بمبالغ كبيرة بينما يظل البنك المركزي يعاني شح الدولار. فالمهم ليس فقط ما تستخرجه الأرض، وإنما ما يدخل الخزانة والجهاز المصرفي من قيمة ذلك المستخرج.
ما أرقام الذهب التي يمكن الوثوق بها؟
ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام الضخمة غير المسندة إلى مصادر قابلة للتدقيق. يجب التمييز بين الإنتاج المسجل والإنتاج المقدر، وبين التعدين الصناعي والتعدين الأهلي، وبين الصادرات الرسمية وما يقدر أنه يتحرك خارجها. الرقم المهني هو الرقم الذي يمكن تتبع مصدره ومنهجية احتسابه. وغياب رقم وطني موحد وشفاف ليس مجرد مشكلة إحصائية؛ إنه في ذاته علامة على ضعف الحكمانية.
هل المشكلة اقتصادية أم سياسية؟
هي أزمة حوكمة قبل أن تكون أزمة سعر صرف. الاقتصاد لا يعمل في فراغ. خلف الجنيه مؤسسة، وخلف المورد قانون، وخلف الصادر جهاز رقابي، وخلف الاحتياطي سلطة مالية ونقدية. عندما تضعف هذه المنظومة يصبح انهيار العملة انعكاسًا لأزمة أعمق في الدولة وقدرتها على إدارة الثروة وحماية المال العام وبناء الثقة.
هل نحن أمام دولة ريعية؟
في جانب مهم من البنية الاقتصادية، نعم. وهنا تصبح أطروحات حازم الببلاوي وجياكومو لوتشياني مفيدة. عندما تعتمد الدولة على ريع الموارد أكثر من اعتمادها على الضرائب والإنتاج تتغير علاقتها بالمواطن. الضرائب تصنع مساءلة لأن من يدفع يريد أن يعرف أين تذهب أمواله، بينما يسمح الريع أحيانًا بتركيز الموارد والقرار بعيدًا عن الرقابة المجتمعية الواسعة.
وماذا غيّر انفصال جنوب السودان؟
فقد السودان بعد الانفصال القسم الأكبر من موارده النفطية المرتبطة بإنتاج الجنوب، فازدادت الأهمية الاستراتيجية للذهب. لكن الذهب يختلف عن النفط؛ فهو أكثر انتشارًا جغرافيًا، وأسهل في النقل، ويمكن تقسيمه وتداوله وتسييله خارج القنوات الرسمية بصورة أكبر. لذلك لم يكن الانتقال من النفط إلى الذهب مجرد انتقال من مورد إلى آخر، وإنما انتقال إلى مورد أكثر تعقيدًا من ناحية السيطرة والرقابة.
هل هذه هي المؤسسات الاستخراجية؟
هنا تساعدنا أطروحة دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون. المؤسسة الاستخراجية ليست مجرد مسؤول يسرق المال؛ إنها منظومة تجعل الموارد والفرص والثروة قابلة للتركز في دائرة محدودة بدل توزيع منافعها عبر المجتمع. ولذلك فإن المشكلة تصبح أعمق من فساد شخص أو مؤسسة بعينها؛ تصبح سؤالًا عن الطريقة التي صُممت بها الدولة لتوزيع القوة والثروة.
لماذا لا ينقذ الذهب الجنيه إذن؟
لأن الجنيه لا يحتاج إلى قصة تقول إن السودان غني بالذهب؛ يحتاج إلى النقد الأجنبي الناتج عن هذا الذهب. عندما يدخل عائد التصدير إلى النظام المصرفي يستطيع أن يدعم الاحتياطي ويمول الواردات ويحسن ميزان المدفوعات. أما إذا بقي جانب معتبر من القيمة خارج النظام الرسمي، فإن المورد موجود لكن أثره النقدي يصبح ناقصًا.
هل هذا مرض هولندي؟
ليس بالمعنى التقليدي. المرض الهولندي يحدث عادة عندما تؤدي طفرة في مورد تصديري إلى تدفق كبير للعملات الأجنبية وارتفاع قيمة العملة بما يضعف قطاعات إنتاجية أخرى. السودان يواجه مفارقة مختلفة: لديه مورد تصديري ثمين، لكن الاقتصاد الرسمي لا يحصل بالضرورة على كامل أثره النقدي، بينما تضرب الحرب الإنتاج والإيرادات والاستثمار.
فما التوصيف الأقرب؟
يمكن وصفه بأنه انفصال بين الثروة الطبيعية والقدرة المالية للدولة. الذهب موجود ويُستخرج ويباع، لكن الحلقة التي ينبغي أن تحول هذا المعدن إلى احتياطيات وإيرادات واستثمار وخدمات تعاني اختلالًا عميقًا. ولهذا يمكن أن يكون السودان غنيًا وفقًا للجيولوجيا، وفقيرًا وفقًا للبنك المركزي، وأكثر فقرًا وفقًا لحياة المواطن اليومية.
هل هذه «لعنة الموارد»؟
يمكن استخدام المصطلح بشرط ألا نفهمه بطريقة قدرية. جيفري ساكس وأندرو وارنر وغيرهما فتحوا نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين الاعتماد على الموارد والأداء الاقتصادي، لكن الذهب ليس ملعونًا والنفط ليس شريرًا. المورد محايد. المؤسسات هي التي تقرر إن كان سيمول مدرسة ومستشفى وطريقًا، أم شبكة نفوذ وتهريب وسلاح.
ماذا فعلت الحرب بهذه المعادلة؟
جعلتها أكثر خطورة. في اقتصاد الحرب لا يعود المورد مجرد مصدر محتمل لإيرادات الدولة؛ يمكن أن يصبح وسيلة لتمويل استمرار الصراع نفسه. والذهب مناسب بصورة استثنائية لهذا الاقتصاد لأنه مرتفع القيمة وصغير الحجم وقابل للنقل والتسييل والتداول خارج القنوات المصرفية.
هل الذهب يمول الحرب؟
الموارد القابلة للاستيلاء والبيع تستطيع أن توفر مصادر تمويل للفاعلين المسلحين، وهي مسألة تناولها بول كولير وأنكه هوفلر في أدبيات اقتصاد الصراع. لكن يجب ألا نختزل الحرب السودانية في الذهب؛ أسبابها سياسية وعسكرية وتاريخية أكثر تعقيدًا. الذهب لا يفسر لماذا بدأت الحرب وحده، لكنه قد يساعد في تفسير كيف تستطيع اقتصاديات مرتبطة بالحرب الاستمرار.
كيف تصنع الحرب اقتصادها الخاص؟
عندما يصبح لدى الفاعلين مورد يستطيعون بيعه خارج الخزانة، وشبكات تستطيع نقله، وأسواق تستطيع شراءه، وعملات أجنبية تستطيع تمويل احتياجاتهم، تنشأ دورة اقتصادية لا تحتاج إلى مؤسسات الدولة التقليدية لكي تعمل. هنا تتحول الحرب من حدث يستهلك الاقتصاد فقط إلى بيئة تنتج اقتصادًا خاصًا بها.
هل أصبح لدينا اقتصادان؟
إلى حد بعيد تدفع الحرب في هذا الاتجاه: اقتصاد رسمي يتحمل انهيار الإنتاج والخدمات والإيرادات وتكاليف الدولة، واقتصاد موازٍ أكثر قدرة على التعامل بالذهب والدولار وشبكات التجارة غير الرسمية. والخطورة أن الاقتصاد الثاني يستطيع التمدد بينما ينكمش الأول، لأن قواعد بقائه مختلفة عن قواعد الاقتصاد الوطني.
وهل يستفيد اقتصاد الحرب من ضعف الجنيه؟
ضعف الجنيه يعاقب من يتقاضى دخله ويدخر أمواله بالعملة المحلية، لكنه يرفع القوة النسبية لمن يمتلك الدولار أو الذهب. وكلما فقد الجنيه قدرته على حفظ القيمة، اتجه الناس إلى العملات الأجنبية والذهب والسلع، فتزداد الدولرة وتتسع السوق الموازية. وهكذا يمكن أن يدخل الاقتصاد في دائرة يعيد فيها ضعف العملة إنتاج أسباب ضعفه.
من يمول من في هذه الحالة؟
هنا ينقلب السؤال. في الدولة الطبيعية تجمع المؤسسات الإيرادات ثم تنفقها وفق السياسة العامة. أما في اقتصاد الحرب فقد تسيطر شبكات القوة على الموارد أولًا، ثم تستخدم العائدات لبناء قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. عندها لا تعود الدولة المركز الوحيد لتوزيع المال والقوة، وتظهر مراكز مالية تستطيع العمل خارجها.
هل يصبح الذهب بنية مالية للحرب؟
يمكن أن يحدث ذلك عندما ترتبط سلسلة إنتاجه وشرائه ونقله وتصديره بشبكات تستفيد من استمرار النزاع. عندها لا يعود الذهب مجرد سلعة، وإنما يتحول إلى وسيلة لحفظ القيمة، وتمويل اللوجستيات، والحصول على العملات الأجنبية، وبناء علاقات تجارية خارج النظام الرسمي.
أين البنك المركزي من كل ذلك؟
لا يستطيع أي بنك مركزي الدفاع طويلًا عن عملته إذا كانت موارد رئيسية من النقد الأجنبي تتحرك خارج قنواته، بينما يتحمل الاقتصاد الرسمي فاتورة الواردات والعجز والإنفاق العام. البنك المركزي ليس ساحرًا؛ قوته تأتي من اقتصاد منتج، وصادرات حقيقية، واحتياطيات، ومالية عامة منضبطة، وثقة في النظام المصرفي.
وطباعة النقود؟
عندما ينمو المعروض النقدي بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج وتوافر النقد الأجنبي، يتزايد الضغط على الأسعار وسعر الصرف. وفي الحرب تصبح المعادلة أكثر قسوة: الإيرادات تنخفض والنفقات ترتفع والإنتاج يتراجع. وإذا جرى سد الفجوة بتوسع نقدي غير مسنود بزيادة حقيقية في الإنتاج، يدفع المواطن التكلفة من القوة الشرائية لراتبه ومدخراته.
هل يمكن إنقاذ الجنيه بقرار؟
يمكنك إعلان سعر للصرف، لكنك لا تستطيع إجبار الاقتصاد على تصديقه. سعر العملة في النهاية انعكاس لمعادلة أكبر: الإنتاج، والصادرات، والواردات، والاحتياطيات، والمالية العامة، والثقة، والاستقرار. القرارات الإدارية تستطيع تنظيم السوق، لكنها لا تستطيع إلغاء حقائق الاقتصاد.
هل يكفي وقف تهريب الذهب؟
لا. التهريب عرض لمرض أعمق بقدر ما هو جزء من المشكلة. إذا كانت السوق الرسمية بطيئة أو مكلفة أو غير شفافة، وإذا كان السعر غير جاذب أو الإجراءات معقدة، فسوف يبحث المنتج والتاجر عن مسار بديل. المطلوب بناء منظومة تجعل التجارة الرسمية أكثر أمنًا وربحية ووضوحًا من التهريب.
ما قنوات الذهب غير الرسمية؟
الحديث الدقيق عنها يجب أن يستند إلى أدلة قابلة للتحقق: فروق بيانات الإنتاج والتصدير، وسجلات الجمارك، ووثائق الشحن، وبيانات الاستيراد لدى الدول الأخرى، والتحقيقات الموثوقة. لا ينبغي تحويل التقديرات إلى حقائق. لكن وجود فجوات كبيرة وغير مفسرة بين الإنتاج المسجل والصادرات الرسمية يظل سؤالًا رقابيًا يجب ألا تهرب منه الدولة.
والشبكات العابرة للحدود؟
لا يمكن فهم الذهب السوداني داخل حدود السودان وحدها. التجارة ترتبط بدول جوار ومراكز إقليمية وعالمية، وقد أشارت دراسات إلى مسارات عبر تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان وصولًا إلى مراكز رئيسية لتجارة الذهب، من بينها الإمارات. لكن وجود الذهب السوداني في سوق خارجية لا يعني بذاته أن كل الذهب غير مشروع، ولا أن كل جهة في تلك السوق طرف في الحرب.
فأين المشكلة تحديدًا؟
في التتبع. إذا لم تستطع معرفة مصدر الذهب، ومن اشتراه، وكيف نُقل، وكيف صُدر، وأين دخل المقابل المالي، تصبح سلسلة القيمة معتمة. وفي هذه العتمة يصعب الفصل بين التجارة المشروعة والذهب الخارج من مناطق النزاع أو القنوات غير الرسمية. وهنا تستطيع اقتصاديات الحرب الاتصال بالاقتصاد العالمي.
هل السودان يسير نحو نموذج الكونغو؟
السودان ليس جمهورية الكونغو الديمقراطية، والمقارنة الحرفية غير علمية. لكن تجربة الكونغو تقدم تحذيرًا مهمًا: عندما تنفصل السيطرة على المعادن عن مؤسسات الدولة، وتتداخل المناجم مع الجماعات المسلحة والتجارة العابرة للحدود، يستطيع المورد أن يصبح جزءًا من بنية الصراع بدل أن يكون وسيلة للخروج منه.
ما أخطر مرحلة في اقتصاد الحرب؟
عندما تظهر مصالح اقتصادية يصبح استمرار الاضطراب أكثر فائدة لها من عودة المؤسسات. في تلك اللحظة لا تعود الحرب مجرد بنادق؛ تصبح سوقًا لها موردون ووسطاء وممولون ومستفيدون ومسارات مالية. وعندها يصبح إنهاء الحرب أصعب، لأنك لا تفاوض حملة السلاح فقط، بل تواجه اقتصادًا صنعته الحرب.
ولماذا غانا مهمة في المقارنة؟
لأنها توضح الجانب الآخر من المعادلة. غانا أيضًا منتج كبير للذهب ولديها تحديات حقيقية في التعدين والبيئة وتوزيع العائدات، لكنها تبين كيف يمكن لصادرات الذهب عندما تمر بدرجة أكبر عبر القنوات الرسمية أن تدعم الحساب الجاري والاحتياطيات والنقد الأجنبي. الدرس ليس أن غانا مثالية، وإنما أن المؤسسات تغير أثر المورد.
إذن المؤسسات أهم من المناجم؟
المنجم ينتج معدنًا؛ المؤسسة تنتج قيمة وطنية. القانون والشفافية والنظام المصرفي والضرائب والجمارك وقدرة البنك المركزي على إدارة النقد الأجنبي هي التي تحول الذهب من سلعة مستخرجة إلى ثروة عامة. ولهذا يمكن لدول أقل موارد أن تكون أكثر ازدهارًا من دول تجلس فوق ثروات هائلة.
ماذا يعني انهيار الجنيه للمواطن؟
يعني أن أزمة الدولة وصلت إلى جيبه. العملة عقد ثقة قبل أن تكون ورقة نقدية. عندما يخشى المواطن أن يفقد راتبه ومدخراته قيمتهما، يبحث عن الدولار أو الذهب أو السلع. وعندما يفعل ملايين الأشخاص الشيء نفسه، يتضاعف الضغط على العملة. لذلك فإن أزمة الجنيه اقتصادية، لكنها أيضًا أزمة ثقة.
كيف يصل الذهب إلى حياة المواطن؟
عندما يظهر أثره في الاحتياطي والموازنة والمدرسة والمستشفى والطريق والمياه والكهرباء وفرص العمل. المواطن لا يستفيد من سماع أن السودان ينتج عشرات الأطنان؛ يستفيد عندما تتحول قيمة تلك الأطنان إلى خدمة ودخل واستقرار. الثروة العامة ليست ما يوجد تحت أقدام الناس، وإنما ما يظهر في نوعية حياتهم.
وماذا عن مجتمعات التعدين؟
لا عدالة في أن تتحمل مناطق الإنتاج التلوث والضغط الاجتماعي والبيئي بينما تنتقل الثروة بعيدًا عنها. حوكمة الموارد تقتضي نصيبًا واضحًا للمجتمعات المحلية، وتنمية مرتبطة بالإنتاج، ورقابة بيئية، وشفافية في توزيع الإيرادات. وإلا يصبح المنجم جزيرة ثراء محاطة بالفقر.
من يراقب قطاع الذهب؟
ينبغي أن تعمل منظومة متكاملة تشمل الجهات المنظمة للتعدين، والبنك المركزي، والجمارك والضرائب، وأجهزة مكافحة غسل الأموال، والسلطات العدلية والرقابية، مع رقابة عامة مستقلة. المشكلة تبدأ عندما تتداخل الاختصاصات أو تصبح المسؤولية موزعة بطريقة يستطيع معها الجميع التنصل منها.
ما أول إصلاح مطلوب؟
الحقيقة. يجب أن تعرف الدولة كم تنتج، وأين، ومن يملك التراخيص، ومن يشتري، ومن يصدّر، وكم تبلغ العائدات، وكم يدخل من النقد الأجنبي. الشفافية ليست زينة أخلاقية؛ إنها بنية تحتية اقتصادية. ما لا تستطيع الدولة قياسه لا تستطيع إدارته، وما لا تستطيع مراقبته ستتنازع عليه شبكات المصالح.
وماذا يأتي بعد الشفافية؟
بناء منظومة تجعل الإنتاج والتجارة الرسميين أكثر جاذبية، وتربط التصدير بحصائل معلومة، وتقوي الرقابة على الحدود والجمارك، وتصل بين بيانات التعدين والبنك المركزي والضرائب. المطلوب أن نستطيع تتبع الغرام من المنجم إلى التصدير، وتتبع الدولار من المشتري الخارجي إلى النظام المالي الوطني.
هل يكفي إصلاح البنك المركزي؟
لا. لا يمكنك بناء بنك مركزي قوي داخل دولة مالية ضعيفة. إصلاح العملة يحتاج إلى إصلاح الموازنة والإنتاج والصادرات والجمارك والضرائب والنظام المصرفي وإدارة الموارد. الجنيه هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة؛ معالجة الحلقة الأخيرة وترك بقية السلسلة مكسورة لن تنقذه.
هل يستطيع الجنيه أن يتعافى؟
نعم، عندما تتعافى الأسس التي تمنحه القيمة: الإنتاج والصادرات والاحتياطيات والانضباط المالي والثقة والاستقرار. قوة العملة ليست مسألة كبرياء وطني ولا أمرًا إداريًا؛ إنها نتيجة لقدرة الاقتصاد على إنتاج القيمة وقدرة الدولة على إدارتها.
ماذا لو توقفت الحرب غدًا؟
سيكون ذلك شرطًا أساسيًا للإنقاذ، لكنه لن يمحو اقتصاد الحرب في اليوم التالي. الحرب تصنع شبكات تجارة ورؤوس أموال ومصالح ومسارات تهريب وعلاقات عابرة للحدود، وهذه تستطيع الاستمرار بعد صمت البنادق. لذلك فإن السلام السياسي يحتاج إلى سلام اقتصادي يفكك البنية التي راكمتها الحرب.
إذن وقف الحرب لا يكفي؟
وقف الحرب يوقف النزيف، لكنه لا يبني الدولة تلقائيًا. السلام المستدام يعني أيضًا إعادة الموارد إلى المجال العام، وإخضاع الإيرادات للموازنة والرقابة، وإعادة بناء المؤسسات، ومنع وجود مراكز مالية تعمل خارجها. إذا انتهت المعارك وبقي اقتصاد الحرب، تظل أسباب جديدة للصراع قابلة للتشكل.
هل يجب أن يدخل الذهب في التسوية السياسية؟
بالتأكيد بوصفه جزءًا من سؤال إدارة الموارد العامة. لا يكفي أن نتفاوض حول من يجلس على كرسي السلطة، ثم نترك السؤال الأهم: من يملك الموارد وكيف تدار؟ أي عقد سياسي جديد يحتاج إلى قواعد واضحة للملكية العامة، والإيرادات، والتوزيع بين المركز والأقاليم، والشفافية، والمساءلة.
كيف نمنع انتقال الذهب من شبكة إلى أخرى؟
بالمؤسسات لا بتغيير الأشخاص فقط. إذا استبدلت جماعة بجماعة وتركت القواعد نفسها، فقد غيرت المستفيد ولم تغير النظام. المطلوب قواعد لا تسمح لأي سلطة سياسية أو عسكرية أو تجارية بتحويل المورد العام إلى ملكية خاصة، مع شفافية تستطيع الصحافة والبرلمان والمجتمع والجهات الرقابية اختبارها.
ما المفارقة الأكبر في قصة الذهب السوداني؟
أن السودان يستطيع أن يصنع أثرياء من الذهب من دون أن يصبح دولة غنية. الموارد حين تمر عبر مؤسسات عادلة تنتج تنمية، وحين تمر عبر شبكات مغلقة تنتج مراكز قوة. ولذلك فالفارق بين المورد والثروة العامة ليس عدد المناجم، بل نوع الدولة التي تقف فوقها.
وفي جملة واحدة: لماذا ينهار الجنيه رغم وفرة الذهب؟
لأن قوة العملة لا يحرسها الذهب المختبئ في باطن الأرض، بل الدولة القادرة على تحويله إلى إنتاج وصادرات وإيرادات واحتياطيات وثقة. وحين تصبح الثروة أكبر من المؤسسات التي تديرها، يمكن أن يزداد الذهب، وينهار الجنيه، ويزداد الفقر في اللحظة نفسها.
وما السؤال الأخير الذي ينبغي أن يتركه هذا الحوار أمام السودانيين؟
ليس السؤال: كم ذهبًا يملك السودان؟ بل: هل يملك السودان الدولة القادرة على جعل هذا الذهب ملكًا اقتصاديًا حقيقيًا لشعبه؟ فالمنجم يستطيع أن ينتج المعدن، لكنه لا ينتج دولة؛ والذهب يستطيع أن يشتري الدولار، لكنه لا يصنع القانون ولا العدالة ولا الشفافية. السودان اكتشف الذهب منذ زمن، وما ينتظره الآن هو اكتشاف الدولة التي تجعل ما يخرج من باطن الأرض يدخل في حياة الناس: عملةً أكثر استقرارًا، ومدرسةً أفضل، ومستشفى أكثر قدرة، وفرصة عمل، وتنميةً وكرامة. يومها فقط لن يكون السؤال أين ذهب الذهب، بل كيف استطاعت ثروة الأرض أخيرًا أن تصبح ثروةً للإنسان.



