
صمود …نبل المقاصد ومحدودية الوسائل
إن تقييم الممارسة ومستوى التقدم في تحقيق الهدف والشعارات المرفوعة يساعد في النظر إلى أي درجة نجد أن قوى التغيير قد امتلكت الوعي الفعّال. حيث إن كثيرًا من الشعارات قد تكون جذرية في أهدافها النهائية، ولكن التساؤل عن مدى إمكانية تحقيقها في الواقع المعاش. قد يكون الجهد عظيما ولكن يسير في خط دائري دون تقدم ملموس أو تحرك تجاه الهدف.
إن الرصيد الأخلاقي الذي رفعته قوى التغيير في صمود، والذي ترفض فيه الدمار والاقتتال وتخريب الوطن، لم تنجح في تحويله ليصبح ممارسة مجتمعية، وفشلت في تكوين شبكات لمساندة الضحايا، وتوثيق الانتهاكات، وحملات لمقاومة خطاب الكراهية ودعم المبادرات الإنسانية.كل هذه كانت يفترض ان تكون مشروعًا لجذب مجموعات واسعة من الجماهير تدعم هذه الرؤى، ويمكن تجسيدها في واقعها اليومي، ولكنها أصبحت مجرد شعارات ترفعها قوى التغيير في صمود، دون أن تنجح في ترجمتها إلى واقع فعلي في حركة التغيير داخل المجتمع. فأصبحت النتيجة خطابًا أخلاقيًا يرفع شعارات سامية بلا وجود اجتماعي يحميه، مما جعل هذا الموقف الأخلاقي، في غياب استراتيجية إعلامية، يصبح مكشوفًا أمام قوى الشر وماكينة التخوين.
إن ضعف موقف صمود في هذه الدائرة لم يكن ناتجًا عن قوة خصومها، بل، إلى درجة كبيرة، عن عدم قدرتها على إنتاج القوة الاجتماعية والتنظيمية والفكرية التي تحمي خطابها وتجعله مؤثرًا في الواقع.
إن أزمة صمود، وفق هذه الرؤية النقدية، ليست في فساد أهدافها، بل في اعتقادها أن امتلاك الموقف الأخلاقي الصحيح، والقيادات المعروفة، والحضور الإعلامي، والاعتراف الخارجي يمكن أن يعوض غياب التنظيم الجماهيري والديمقراطية والمحاسبة الداخلية.
وهنا يؤدي الوعي الزائف وظيفته الأخطر حيث يجعل الحركة ترى الهدف بوضوح، لكنها لا ترى أن الوسائل التي تستخدمها تعيد إنتاج عجزها وتبعدها عنه فالسلام لا تحميه البيانات وحدها، والديمقراطية لا تبنيها قيادة غير خاضعة للمحاسبة، والشرعية لا يمنحها الخارج، والقوة الحقيقية لا تأتي من الحديث باسم الجماهير، بل من تنظيمها وتمكينها من إنتاج القرار والفعل ومراقبة من يتحدثون باسمها.
إن سيادة الوعي الزائف داخل قوى التغيير لا تُفسَّر باعتبارها ضعفًا في المعرفة أو سوء نية؛ فبعض المنخرطين قد يكونون صادقين في مواقفهم، لكنهم يتحركون داخل بيئة سياسية ونفسية ومعرفية تجعلهم يرون بعض أجزاء الواقع وتحجب عنهم أجزاء أخرى، إما نتيجةً لمعلومات خاطئة، أو لسيطرة المشاعر على التفكير الموضوعي، أو لاكتسابهم بعض أنماط التفكير المحدودة. إذن، فالوعي الزائف ليس كذبة قد اخترعتها قيادة التغيير، بل هو منظومة من التصورات تؤدي إلى قراءة ناقصة للواقع. نجد في واقع اليوم مؤشرات وسمات التي تعكس أن قوى التغيير تتعثر في الطريق الصحيح. حيث ترفع شعارات سامية وتحررية، ولكنها في ممارساتها قد تكون بعيدة عن هذه الأهداف. نجد أن ذلك يعكس تجليات لتسلل جراثيم الوعي الزائف. حيث نجد مثلا رفع شعار الدفاع عن الديمقراطية مع ضعف واضح داخل التنظيم، بل يمكن أن يكون هناك غياب لآليات وهياكل تنظم عملية الاتفاق وطرح الآراء. حيث نجد تكرارًا للبيانات والخطابات دون خطة لتحويلها إلى نشاط مجتمعي، وحيث نجد أن القيادات تؤمن بمقدراتها ونشاطها في تحقيق التغيير، ولا تضع أهمية تُذكر لتنظيم القواعد أو الاعتماد على قوة الجماهير التي تدّعي تمثيلها؛ لذا نجد اهتمامًا بالتحالفات الفوقية أكثر من تنظيم الجماهير، وتنصهر معه القيادات التي تعبّر عن مصالح الجماهير، مع تناقص أو غياب صوت القواعد.
هنا يصبح قياس النجاح ليس بمستوى تنظيم الجماهير، بل بمستوى الحضور الإعلامي والدبلوماسي. إن ضعف التنظيم الجماهيري والاعتماد على قوته يجعل قيادة التغيير تعتمد على العوامل الخارجية والضغوط الدولية في تحقيق مصالحها. إن هذا السلوك إنما يقود إلى أن تكون العلاقة علاقة تبعية، تجعل من الجماهير مجرد متفرج في مقاعد الانتظار، وتقلل من مقدرتها على التغيير، مما يقود إلى أحاسيس التبعية وإعادة إنتاج بنية القهر.
نجد أن كثيرًا من العوامل قد تفسر ظهور جرثومة الوعي الزائف، حيث نجد تاريخًا طويلًا من الإرث النخبوي في العمل السياسي، وحيث نجد أن تاريخ حركة التغيير قد يكون مرتبطًا بالقيادات والشخصيات المعروفة والأحزاب المركزية والتفاوض بين النخب ووجود حركة التغيير داخل المراكز والمدن الكبيرة. بسبب هذا الإرث نجد أنه قد ترسخت فكرة ضمنية تقول إن التغيير تصنعه النخب الواعية، ثم تلتحق به الجماهير.إن تجارب الثورات، والتي يظهر فيها الحراك الجماهيري متوافقًا مع دور القيادات، قد تنتج وهمًا بأن الجماهير يمكن أن تُستدعى تلقائيًا كلما ظهر هدف أخلاقي. وهنا تظهر جراثيم الوعي الزائف حينما يتم الخلط بين الانفجار الجماهيري العفوي والتنظيم المستدام؛ فالحشود تخرج تحت ضغط المشاعر، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف، ومراقبة القيادة، وبناء البديل.
إن من تجليات الوعي الزائف التصور بأن عدالة المواقف تمنح القوة تلقائيًا، وأن من يدافع عن موقف أخلاقي يمتلك الشرعية وسيكسب الجماهير بالضرورة، لكن الحقيقة والوعي الموضوعي يقولان إن الشرعية الأخلاقية لا تنتج آليًا قوة تنظيمية؛ فقد يكون الموقف صحيحًا، ولكنه لا يجيب عن مخاوف الناس، ولا يوصل رسالته بكل الوضوح إلى المجتمع، وقد تغيب المؤسسات التي يمكن أن تجعل منه فعلًا. وهنا يتحول الرصيد الأخلاقي إلى بديل متخيل في عقلية قيادة التغيير، حيث تعتقد أن الجماهير كلها تقف في صفها لأنها ترفع شعارًا مقدسًا يدعو إلى الأمن والحرية والسلام ورفض الحرب.
إن ذلك يقود إلى خلل واضح في الخلط بين تمثيل مصالح الجماهير وتمثيلها وتنظيمها، حيث إن النخبة التي ترفع شعارات السلام والديمقراطية والحرية تستنتج أنها تعبر عن الجماهير، حتى وإن لم تكن هنالك ممارسات فيها اختيار ممثلين، أو مراجعة القرارات، أو المساهمة في صناعة البرنامج، في تجلٍّ واضح للوعي الزائف الذي يجعل حسن النوايا وسلامة الهدف بديلًا عن التفويض الديمقراطي.
إن واقع اليوم وانتشار السوشال ميديا جعلا من التفاعل الرقمي كأنه تعبير عن التأييد الاجتماعي؛ لذا قد يصبح الحضور الإعلامي والدفاع الإلكتروني كأنهما بديل للعمل والتنظيم الحقيقي للجماهير، حيث إن الوعي الموضوعي يؤكد أن الفضاء الرقمي قد يعطي مؤشرات سريعة ومريحة، ولكنها لا تعكس تنظيم الجماهير ورؤية المجتمع، خصوصًا في غياب مجموعات مؤثرة في مناطق الحرب والنزوح.
إن الضعف في العمل التنظيمي في مناطق الحرب يجعل النشاط السياسي في الخارج أكثر ظهورًا نتيجة للأمان النسبي، والقدرة على الحركة، والوصول إلى الإعلام، والتواصل مع المؤسسات الدولية، لكنه، في ذات الوقت، يقود إلى ضعف الاحتكاك بمعاناة الداخل، مما قد يخلق اختلافًا في الأولويات بين الداخل والخارج، الذي يعتمد على تضخيم وزن الاعتراف الخارجي في تقويم النجاح، وليس على مدى مقدرة قوى التغيير على التعبير عن احتياجات الجماهير.
هذا سيعود إلى تصور أن القوة تأتي من المجتمع الدولي، والتسوية الدبلوماسية، والاعتراف الخارجي بالقيادات المدنية، وأن الجماهير ستعود وستبشّر وتدعم ذلك في اللحظات المناسبة. وهنا تصبح الأمنيات والتفاؤل المدمر والعقل العاطفي بديلًا عن مفهوم العمل الدؤوب والتراكم والتنظيم والاعتماد على الجماهير.
إن واقع الحرب قد يفرز مجموعة من الأفكار والأساليب التي قد تقود إلى فهم جزئي للوقائع، حيث نجد التفكير الرغبوي الذي يعتمد على أن نصدق أن الأغلبية الصامتة معنا لأننا نرغب في ذلك، فنصبح أكثر انتقائية في المؤشرات التي تؤيد رؤيتنا، ونهمل ما يتناقض معها، ويصبح الفرح بالتأييد بديلًا عن قياسه وتنظيم القوى التي تؤمن به.
نجد تأثير الوعي الزائف على طرق تفكيرنا حيث في واقع الحرب تظهر آلية التحيز التأكيدي، حيث تبحث قوى التغيير عن معلومات تؤكد رؤيتها، فتبحث عن تصريحات دولية، ومقالات إيجابية، والتفاعل الرقمي مع قياداتها، وشهادات من دوائر قريبة منها، وتقلل من أهمية ضعف الوجود القاعدي الذي يعكس عدم وصول الخطاب إلى شرائح المجتمع، ومحدودية تحويل التعاطف إلى تنظيم.
إن جراثيم الوعي الزائف وتجلياته التي جعلت صمود لا تعبر عن الجماهير بدرجة تتناسب مع نبل الاهداف يطرح التساؤل المحوري في هذه الرساله هل ظهرت أثار الوعي الزائف في الهدف أم الوسائل؟ هل القضية في الشعارات المطروحة أم الازمة في طريقة طرحها والوسائل المستعملة.
إبتداء نقول ان الهدف على مستوى المنطق لا غبار عليه ولا تشكيك في أهميته. إن نبل الأهداف وصحتها لا تعني بالضرورة الاتفاق عليها؟ فكم من أفكار ومشاريع سامية واجهت الرفض والمحاربة أن القراءة الموضوعية تطرح السؤال الأهم هل يستند على توافق ورغبة الجماهير ومدى إستيعابها لأبعاده وأهميته في بناء دولة التحرر والمؤسسات؟ هذا يقودنا الى درجة الاتفاق ومدى وجود قوة مدنية حقيقية تدعم هذه الأهداف والشعارات ؟ حيث ينبغي أن نسأل أنفسنا عن وجود الكتلة الحرجة المجتمعية التي لديها المقدرة على فرض مصالح هذا الاتفاق، وإلى أي درجة وجود تنظيمات مجتمع مدني لها امتداد وسط العمال والمزارعين والمهنيين، لها المقدرة على تعبئة الجماهير حول برنامج محدد، وتحمي عضويتها من القمع من خلال ممارسة ديمقراطية مدنية تستطيع فيها السيطرة على أي تفلتات أو رفض من المؤسسة العسكرية.
إن الإجابة، إذا لم تكن إيجابية ودلالات الواقع تطرح عكس ذلك، يصبح الشعار والهدف يعبران عن رغبة أخلاقية وأحلام، ولا يعبران عن واقع ميزان القوة السياسية. هذه قد تكون نقطة البداية التي تفسر لماذا لم تجد صمود الإجماع الذي يتناسب مع سمو شعاراتها وأهمية أهدافها؟ وما الذي خلق هذه الفجوة بين الأهدف النبيلة ودرجة الالتزام بها؟ حتما فإن الحل هنا ليس في إنكار الهدف أو رفضه، بل في ضرورة العمل على تقليل الفجوة بين الهدف والقوة المجتمعية اللازمة لتحقيقه. وهنا يصبح دور صمود ليس مجرد الدعوة إلى الدولة المدنية، بل عمل حثيث لتهيئة التربة والأرضية المناسبة التي تستطيع أن تحقق فيها وجودها.هذه التربة تعتمد على فهم الأسباب التي منعت وصول الأهداف النبيلة للجماهير وكيفية تنظيم منظمات المجتمع المدني للإلتفاف حول هذه الاأهداف.
إن علم النفس السياسي لايستند على ماهو مفروض ومتخيل بل يستند على مقولة جوهرية وهي البداية ان تكون من الواقع واليه. في قراءتنا للوقع يجب أن نبدا بفهم مكوناته ونقطة البداية هل يوجد إيمان أهمية الشعار وضرورة الهدف وهل هناك وعي وسط الجماهير كافٍ يؤمن بأهمية الدولة المدنية ويرفض حكم العسكر؟ حيث لا يجب الافتراض بأن الشعب كله يقف ويرفض حكم العسكر. حيث إن أي قراءة موضوعية للواقع ستجد هناك من يؤمن بأهمية وجود دور للعسكر، حيث يرى، نتيجة للوعي المزيّف، أن الجيش أكثر انضباطًا، ويحتاج إلى رجل قوي، وأن الجيش يمثل وجودًا قوميًّا يحتاج إليه الوطن في ظروف الحرب خاصة، وأن المدنيين دومًا يحتاجون إلى حارس أو شريك عسكري قوي. هذا الوعي لم ينشأ من فراغ، بل كرسته عقود من الحكم العسكري، وضعف الحركة السياسية، وفشل التجارب الانتقالية، وسلطة القهر التي كرست لعقلية التبعية.
نجد أيضًا أن هناك شريحة لا تؤمن بالحكم العسكري من حيث المبدأ، ولكن ترى أن الظرف الآن فيه كثير من التعقيدات؛ فيه تخوف من انهيار الدولة، وتعدد الميليشيات، وعجز المدنيين عن إدارة الأمن؛ لذا ترى وجود المؤسسة العسكرية ضروريًا حتى تستطيع أن توفر بديلًا وطنيًا يسيطر على التشرذم الأمني الحادث. هذه الكتلة ليست بالضرورة مع العسكر، إنما تبحث عن الأمان، وترى أن هناك دورًا محوريًا للعسكر في هذه اللحظة.
إذن، هنا تصبح الضرورة أن نرى ما هو الوعي الشعبي المسيطر والذي يسود، وما نسبة المؤيدين للحكم المدني، وما هي الفئات التي تريد دورًا إما طويل المدى أو مؤقتًا للسلطة العسكرية. إن غياب هذه المعرفة يجعل صمود تخاطب مجتمعًا تتخيله، وليس مجتمعًا موجودًا على واقع الأرض.إن إستيعاب الواقع سيطرح تساؤلا موضوعيا هل الوقت مناسب لرفع مثل هذا الشعار؟ وهل يجب ان تكون الدعوة لأهداف مرحلية تتناسب مع وعي الجماهير ثم تتدرج معها للوصول للهدف النهائي.إن ربط الهدف النهائي بمراحل لا تحكمها فقط مستوى وعي الجماهير بل هنالك عوامل موضوعية تجعل الوصول للهدف النهائي غير عملي ومحفوف باحتمالات الفشل.حيث إن تحقيق الهدف لا يعتمد على رغباتنا وبناء دولة مدنية و تفكيك البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية ليس قرار إداري لحظي على ورق بل هي خطوات يتم فيها إعادة الهيكلة، وتوزيع السلاح، وتحويل الشركات العسكرية، وإعادة بناء العقيدة العسكرية تحتاج إلى مراحل. إذن قد تكون هنالك عوامل تدعو للتدرج وقد تكون نفس هذه العوامل هي التي تساهم في عدم إلتفاف الجماهير خول الهدف وتخلق تحفظات وانقسامات في دعمه.إن أكثر أخطاء قوى التغيير عندما تسعى لتحقيق أهدافها في خطوة واحدة دون إستيعاب تعقيدات الواقع ومستوى وعي الجماهير لذا ان التمرحل سيكون الحل الموضوعي الذي يحسم هذه التعقيدات والعوامل التي تعمل ضد تحقيق الهدف وفي نفس الوقت بناء وعي الجماهير وتطويره بالعمل والممارسة حتى يصبح الهدف النهائي جزء من ثقافة الشعب وثوابته.
هذا التفكير في المراحل لا ينشأ من فراغ، ولكن يجب أن يرتبط بالواقع الأمني، الذي يجب أن يطرح فيه التساؤل عن هل هو الوقت المناسب لفتح باب اختلاف ومعركة مع الجيش القومي، في ظرف يغرق الوطن بالنزاعات و السلاح المنتشر والميليشيات المتعددة. إذن حتى إذا تم الوصول لإتفاق فإن عدم التخطيط سيقود إلى انهيار الاتفاق (تاريخنا حافل في الاتفاقات الفاشلة مع الجيش) إما للضعف الداخلي للقوى المدنية التي لا تستطيع الحفاظ على السيطرة على الصراع الموجود، أو لوجود العوامل الخارجية التي قد لا تكون القوى المدنية مهيأة للسيطرة عليها. إذن، قبل أي اتفاق، يجب أن يكون هناك قراءة موضوعية للواقع فيه تحديد لاتجاهات الرأي العام تجاه الحكم المدني والعسكري، وتحديد مصادر الخوف وعدم الثقة في المدنيين، مع تحديد منظمات المجتمع المدني ومستوى تماسكها وقوتها. حيث لا يمكن أن يتم في غياب ميثاق مدني واضح يستند إلى هياكل ديمقراطية و تنظم قوى التغيير في داخل المجتمع يمنع إستدعاء العسكر والإستقواء بهم وإبعاد السلاح من العمل السياسي.
إن تحديد المراحل لا يأتي بالرغبات والنوايا، بل هو دراسة موضوعية تعتمد على مدى تماسك الجبهة الداخلية من ناحية التماسك المجتمعي وقوة منظمات المجتمع المدني، ودرجة توقف الحرب واستدامة وقف إطلاق النار، مع عدد الميليشيات وانتشار السلاح. فوق ذلك، مدى حجم التأييد الشعبي للحكم المدني، والقبول بانسحاب المؤسسة العسكرية، والثقة في مقدرة الجماهير في ذاتها على إدارة شؤون الدولة، مع الوضع في الاعتبار حجم الاقتصاد العسكري وتشابكاته، وكيفية انسحابه من اقتصاد الدولة بصورة لا تقود إلى إنهاك أو إرباك. كل هذه العوامل، مع ضرورة أن تصاحبها ضمانات دولية تساعد في ترسيخ وضمانات لاستمرارية هذا الاتفاق.
إن عملية انسحاب العسكريين من السلطة يجب أن يصاحبها تفكيك الاقتصاد العسكري، حيث يجب وضع جدول زمني لاستعادة الأصول لجهاز الدولة، وسيطرة وزارة المالية، ومراجعة احتمالات الخسائر لبعض شرائح العسكر، مع إمكانية التعويض، حتى يتم الانتقال بسلاسة ودون خلق نزاعات. هذه التغييرات، في واقع استمرت فيه السلطة العسكرية على الواقع السياسي والمصالح الاقتصادية لعقود من الزمان، تطرح السؤال: هل سيقبل العسكر بخسارة السلطة والمصالح، حيث عاشوا عهودًا من السلطة السياسية والنفوذ والحصانة والتحكم في الموارد والامتيازات الاجتماعية؟
لذا يجب الانتباه إلى أن هناك احتمالًا لمواجهة قد توجد، حيث إن الانسحاب قد لا يكون ناجحًا بالتوعية وحدها، ولا بالضغط والإكراه، بل هو مزيج من الضغط من كتلة مدنية واسعة، منظمة وواثقة من قدراتها، وضغط قانوني وحقوقي ورقابة دولية، مع عمل دؤوب في تغيير التركيبة النفسية والثقافية. لن يتم ذلك إلا من خلال التفاوض، يتم فيه تقديم ضمانات لمكانة الجيش كمؤسسة وطنية، ووضع مسارات واضحة، وتقديم بدائل للمتضررين من الإصلاح، والاتفاق على جدول مشروط.
إن ذلك يجب أن يصاحبه برنامج واضح في إعادة بناء الهوية العسكرية، والانتقال من العقيدة أن الجيش حارس الدولة والسياسة إلى حارس الدستور، وإحياء قيمة الاحتراف العسكري والحياد السياسي، وتعميق ثقافة حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي في المناهج العسكرية. يجب أن يكون أي تفكير في التراجع عن هذا التغيير مكلفًا للسلطة العسكرية، حيث تعلم أنها ستواجه تنظيمًا من الجماهير في هياكل تنظيمية مستعدة، ومقاومة مدنية سترفض أي نوع من السيادة على السلطة خارج إطار الدستور.
إن هذا العمل يجب أن يصاحبه بناء معايير الثقة داخل الجماهير بأنها هي القادرة على إدارة شؤون نفسها؛ فإن التوعية قد تفتح الباب للجماهير لتثق بإمكانياتها، لكن الوعي الموضوعي وحده لا يكفي، بل يجب أن يصاحبه الفعل المباشر، حيث يرى المواطن مقدرته على إدارة شؤونه ومدى نجاحه في تحقيق فائدة أكبر للمجتمع عندما يكون هو في مستوى التغيير.
إن برنامج التوعية يجب أن يشمل الاهتمام بالجيش كمؤسسة حكومية قومية لها الاحترام وليس عدوًا للمجتمع، بل هو جزء أصيل له مسؤوليته في حماية المجتمع، حيث لا يمكن أن يتم ذلك دون محاربة الوعي الزائف والعقل الثنائي الذي غرس في داخل بنية المجتمع ثقافة حكم الجيش أو انهيار الدولة، وأن رفض الوصاية من العسكر يعني تفكيك الجيش وعدم احترام دوره؛ حيث إن القضية ليست محبة الجيش أو كراهيته، إنما هي كيفية استيعاب الدور الحقيقي الذي يحافظ للمؤسسة العسكرية على هيبتها ودورها المهني؛ حيث إن الهدف ليس تفكيك الجيش، بل إعادة بنائه.
يجب محاربة العقل العاطفي الذي قد يكون مسيطرًا على شرائح من الجماهير تجد نفسها في واقع سلبي من المؤسسة العسكرية، حيث نجد مشاعر الغضب من تاريخ الجيش، من تجاوزات وانتهاكات وانقلابات وحكم عسكري، قد تقود إلى الرغبة في الإقصاء والانتقام، ويفترض أن غياب العسكر يعني تلقائيًا قيام الديمقراطية. إن العقل العاطفي، في مستوى آخر، قد تسيطر عليه مشاعر الخوف، حيث نجد شرائح من المجتمع يسيطر عليها القلق على مستقبل الوطن، حيث لا ترى حلًا سوى قبول الوصاية العسكرية، وترى أنه لا حل سوى تأجيل الديمقراطية، والصمت عن الانتهاكات، واعتبار القوة المسلحة هي المصدر الوحيد للشرعية؛ لأن المدنيين غير قادرين على الحكم.
إن رسم مراحل لتنفيذ هذا الاتفاق يجب أن يرتبط بمؤشرات معلنة وواضحة، حتى لا تتم الاستكانة في مرحلة والوقوف عندها، والرفض في التحرك نحو الأهداف النهائية. إن البرنامج المطروح يجب أن يكون دائمًا تحت معايير الوعي الفعّال، الذي يعتمد على معرفة الواقع، وبناء القوة، ورسم خطة مرحلية لتحقيق الأهداف.
هذه الخطوات يجب ألّا تكون في انتظار الزمن الذي يقبل فيه العسكر ذلك، بل يجب أن يكون الهدف هو بناء القوة المجتمعية التي تكون من القوة بحيث تجعل الخضوع للدستور هو الأسهل والأقل تكلفة من مقاومته، وتجعل أي محاولة للانقلاب عليه فادحة التكاليف ومرتبطة بالفشل.
إذن، فمن الأهمية بمكان العمل على الوعي الذي ينظم ويعبّئ ويراجع ويحاسب ويفرض التغيير. فالمدنية لا تتحقق لأن الشعار أكثر عدالة، بل تتحقق عندما تصبح وراءه جماهير واعية بمقدراتها، منظمة في قنوات ومجموعات ومؤسسات ديمقراطية، تستطيع فيها تحقيق أهدافها من خلال خطط مرحلية، فيها تقدير لموازين القوة وأدوات الضغط، مع وجود بديل قادر على الحكم وإدارة الصراع.
إن الواقع يقول بالإضافة لتعقيدات الأهداف المطروحة نجد إن هنالك فجوة بين ارتفاع الموقف الأخلاقي الواضح، الذي يدعو إلى عدم الحرب والاقتتال، وضعف الاستجابة والالتفاف. حيث إن هذا الرصيد الأخلاقي العالي لم يستطع أن يتحول إلى حضور اجتماعي منظم قادر على التأثير في الداخل ومواجهة حملات التخوين. ذلك أن القيمة الأخلاقية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية، بل تحتاج برنامج تمتلكه الجماهير وإلى تنظيم جماهيري، ومنابر إعلامية، وشبكات اجتماعية قادرة على حماية الخطاب ونقله إلى المجتمع.
إن الهدف المطروح يُعدّ انحيازًا إلى شك فيه للوطن والدولة المدنية، مع رفض تحويل هذا الانحياز إلى تفويض عسكري لأي طرف، حيث كان شعاره: «لا للحرب». إن هذا الشعار، رغم قوته قد يبقى رفضًا أخلاقيًا ينظر اليه كأن حلم خيالي لن يجد الاستجابة الكافية إذا لم يستطع الإجابة عن الأسئلة العملية مخاوف الجماهير والتساؤلات التي تؤرقهم عن كيف نوقف الحرب؟ وكيف نحمي المدنيين؟ وماذا يحدث لسلاح الجماعات والحركات والميليشيات؟ وكيف نمنع تجدد الحرب؟
إذن، فإن «لا للحرب» ليست نهاية الموقف، بل هي بدايته، ويفقد الشعار قيمته إذا لم يستطع الإجابة عن بقية الأسئلة؛ حيث إن الوعي الموضوعي لا يقول فقط: «لا للحرب»، بل يجب ان يجاوب عن كيف ذلك وماهي الوسائل لتحقيق ذلك وضروة إستيعاب كل تحفظات وتخوفات مشروعة.
حيث يجب تفهّم التعاطف مع الجيش باعتباره نابعًا من الحاجة إلى مؤسسة عسكرية تحمي البلاد، والخوف من انهيار الدولة وتفككها، مع وجود شرائح داخل القوات المسلحة ترى نفسها مدافعة عن البلاد وعن المواطن، ووجود دلائل توضح الفرق في الوضع المؤسسي بين جيش الدولة والميليشيات الموازية، حتى في حالات الاختراق الأيديولوجي.
هذا التعاطف الإنساني مشروع ويجب احترامه ولكن يجب الحذر في ألا يتحول إلى انحياز ودعم فيهما تقديس للمؤسسة والقيادة، يتم فيه تبرير الانتهاكات، وقبول التحالف مع واقع الحرب، أو اعتبار كل معارض للحرب خائنًا. حينها يتم تحويل الجيش من مؤسسة للدولة إلى رمز للدولة يقدم هوية سياسية واجتماعية.إذن، فإن الشعور الإنساني والوطني تجاه الجيش، من تعاطف وتأييد محدود لحماية المدنيين من الانتهاكات والدمار، هو تأييد مقبول ومحدود يجب الا يقابل بالرفض والهجوم والاستنكار.إن رفض التعاطف والتأييد المحدود اللذين يجدهما الجيش من شرائح واسعة يصبح رفضًا غير منطقي وغير موضوعي، ويقع في دائرة الوعي الزائف؛ إذ إن التفريق بين مستويات التعاطف والتأييد والتفويض يجب أن يسمح لقوى التغيير في صمود بأن ترى أن هنالك فارقًا كبيرًا بين الشرائح الاجتماعية التي تتعاطف وتقدم التأييد المحدود لجيش الدولة، باعتباره يوفر الحد الأدنى من الأمن والأمان، وإحساس الانتماء، وضمان استمرارية واقع الدولة بعيدًا عن التدمير والتشظي.
إن هذا التفريق من الأهمية بمكان؛ لأن رفض هذه المستويات سيخلق حاجزًا نفسيًا مع شرائح واسعة من المجتمع ترفض أن تعطي الجيش تفويضًا سياسيًا وأخلاقيًا، ولكنها، في الوقت نفسه، لا تمنع نفسها من التعاطف والدعم المحدود.
إذن، فإن قوى التغيير يجب أن تكون على قدر من الوعي، بحيث تدعم وتستقبل وتتفهم الشرائح التي ترفع شعارات التعاطف والتأييد المحدود للجيش، وألا تكون حملتها ومواقفها ضد المستويات الثلاثة على قدم المساواة؛ حيث يجب أن يكون ذلك واضحًا في رفض تفويض الجيش ليكون له دور سياسي في واقع اليوم يتجاوز سلطة القانون والمؤسسات، فيصبح هو الدولة بدلًا من أن يكون أداة داخل الدولة تحميها وتحمي الدستور.
يصاحب ذلك خط واضح يتم فيه رفض عسكرة المجتمع؛ إذ إن محاربة الميليشيا يجب، في حد ذاتها، أن تكون قاعدة تمنع صناعة مجموعات مسلحة أخرى. هنا يجب على قوى التغيير أن تكون واضحة، وترفض أي نوع من التعاطف أو التأييد المحدود لأي ممارسة يقوم بها الجيش.
إن القبول بمستوى التعاطف والتأييد المحدود يجب ألا يجعل قوى التغيير تعطي تفويضًا تختزل فيه حركة الجماهير، أو تمنح السلاح قوةً تجعل منه السبب في توزيع القوة؛ إذ يجب أن تكون هناك خطوط حمراء تلتزم بها قوى التغيير، وترفض من خلالها أن تعطي تعاطفًا فيه شيك على بياض، يتم فيه تجاوز حرية التعبير والتنظيم واستقلال العمل النقابي والمهني والتنظيم الاجتماعي.
يجب أن تكون هناك خطة لكيفية مقاومة خطابات الكراهية، وتمكين القوى المدنية من تصميم السلام، وليس الاكتفاء بالمشاركة فيه، وعدم منح أطراف الحرب حق اختيار المدنيين الذين يمثلون المجتمع.
إن التعاطف ليس حيادًا أخلاقيًا؛ فالموقف يجب أن يكون واضحًا، إذ إنه لا يعني الوقوف في المنتصف وأن الجميع متساوون. ويجب إدراك أن هناك انتهاكًا ينبغي الوقوف ضده بكل وضوح، بغض النظر عمن ارتكب الانتهاك.
هناك اختلاف في الطبيعة التركيبية بين الجيش كمؤسسة والميليشيات كحركة عسكرية قبلية قامت لتحقيق أهداف محددة، ويجب عدم التغاضي عن ذلك أو إنكاره. وقد حدثت اختراقات أيديولوجية داخل الجيش، ولكن هذا لا يعني غياب مجموعات وشرائح ترى نفسها تقوم بدورها المهني في حماية الوطن.
يجب أن يكون ذلك تحليلًا علميًا لا يقع في الوعي الزائف ومشاعر الغضب التي ترى المؤسسة العسكرية كتلة واحدة قد ساهمت في إيقاف حركة الجماهير ودمارها وتعذيبها سابقًا، بل يجب النظر إلى الأبعاد المختلفة الإثنية والفكرية والاقتصادية، وأن يكون الرفض للممارسات، وليس للمؤسسة في حد ذاتها.
إن المسار المتوازن لا يكتفي بقول فقط «لا للحرب»؛ إذ إنه يمثل وعيًا أخلاقيًا لا إنكار له، لكنه لم يصل بعد إلى الوعي الفعّال؛ لأن الوعي الفعّال يتحرك من مواقع الرفض إلى التنظيم، ومن الشعار إلى البرنامج، ومن التعاطف مع الضحايا إلى البحث عن طرق لكيفية حمايتهم، ومن إدامة الاستقطاب إلى التحرك لتفكيك خطابه.
وهو لا يكتفي بالمطالبة بالسلام، بل يعمل على بناء الأدوات الضاغطة من أجله، ولا يكتفي برفض الحكم العسكري، بل يعمل جادًا على كيفية تحقيق الانتقال المدني، وجعل استمرار الحكم العسكري أكثر تكلفة للمؤسسة العسكرية، نتيجة لبناء قواعد مجتمعية قوية ووعي مجتمعي يرفض التبعية وسيطرة السلاح.
إن «لا للحرب» ليس موقف حياد؛ فهو ليس موقفًا في المنتصف بين الوطن ومن يدمره، لكنه موقف إيجابي يرفض أن يحتكر أي حامل للسلاح تعريف الوطن، أو أن يتخذ من حمايته تفويضًا لحكمه والسيطرة على حركة المجتمع وفرض رؤيته الوحيدة لتحقيق ذلك
إن من العوامل التي يجب النظر اليها في قراءتنا للواقع هو إلى أي درجة تُعد صمود وجودًا منظمًا وفاعلًا وسط الجماهير، بين الأحياء والنقابات والمهنيين؟ حيث إن أي ضعف وسط هذه القواعد يجعل الخطاب المدني حتى ولو كان صادقا ومتوازنا سيفتقد قوة الكتلة الاجتماعية التي تحمل المشروع وتعطيه الشرعية والقوة اللازمة.
إن غياب تنظيم القواعد يقود حتمًا، بالضرورة، إلى عدم وجود أدوات واضحة للمراجعة والمراقبة، مما يجعل فرصة ارتكاب الأخطاء أكبر، ويؤدي إلى ازدياد الفرص الضائعة، وقد يقود إلى تراجع الثقة في القيادات؛ حيث إن القواعد تشعر بأنها مهملة، وليس لها صوت أو دور في حركة التغيير، ويصبح التمثيل مجرد تبرير وادعاء كاذب لا يحمل جوهر الحقيقة. إن عدم وجود هياكل وتنظيم محدد وقنوات معلومة لا يضعف قوة حركة التغيير فحسب، لكنه يخلق حالة من الغموض وعدم الوضوح حول من يملك حق القرار، وكيف يتم اختيار القيادة، ومن يستطيع مساءلتها، ومن يملك حق تغييرها، وكيف تُصنع القرارات، ومن له حق مراجعتها. هذا الغموض يسمح بادعاء تمثيل الشعوب والتعبير عن رؤيتها دون دليل يثبت ذلك، بينما يقود، في الحقيقة، إلى مركزية القرار، ويكون القرار نابعًا من دائرة ضيقة؛ حيث ليست هنالك قنوات تفتح باب الاستماع إلى صوت الجماهير، بل تكرار للأصوات المعروفة داخل دائرة القيادة، حيث يتم تكرار التصورات، مما يقلل التنوع ويضعف المبادرات، وتتحول القواعد إلى منفذين ومنتظرين لحركة التغيير. إن غياب وجود جسم ينظم حركة الجماهير في الداخل يجعل من قوى التغيير واقعًا منفصلًا عن مفهوم التغيير التحرري، حيث ضعف الديمقراطية الداخلية والمساءلة. لذا ليس مستغربًا أن نجد أن هنالك ضعفًا في حشد القوى الرافضة للحرب في كتلة اجتماعية وسياسية واسعة، رغم وجود قطاعات كبيرة متضررة ولا تنتمي إلى أي من طرفي النزاع.
إن ضعف البناء التنظيمي على مستواه القاعدي، وضعف وجود تحالفات، جعلا التوافق يتم بين القيادات السياسية أكثر من بناء علاقات ممتدة بين الشرائح المجتمعية، فخلقا ارتباطًا هشًا؛ لأنه مهما كانت قوة التحالف القيادي، فإنه يفتقر إلى العمل اليومي والمصالح المشتركة بين القواعد التي تخلق مستوى أعلى من التمازج وتبني قضايا التغيير.
إن الضعف التنظيمي قد تكون له أسبابه الموضوعية حيث ليس كل ضعف تنظيمي دليلًا على الوعي الزائف؛ فقد تعلم حركة التغيير أهمية التنظيم، لكن يمنعها القمع ونقص الموارد.. إن ضعف القواعد قد يكون ناتجًا عن سيطرة مشاعر الإحباط واليأس والاستسلام وسط الجماهير نفسها، فتفقد الثقة في مقدراتها، أو يكون ذلك نتيجة عهد من القهر والقمع جعل الجماهير أكثر قابلية للانزواء والابتعاد، بعد تاريخ من تفكيك المنظمات وملاحقة الناشطين وتشريد الكوادر، مما يجعل الجماهير أكثر انطواءً وابتعادًا عن العمل السياسي اليومي عندما تشعر بأن هذا العمل يصبح محفوفًا بالمخاطر.
إن للحرب تأثيرها السلبي من حيث تفكيك المجال الاجتماعي، ناتجًا عن تفكك الروابط المهنية، والنزوح الواسع، وصعوبة التواصل، وسيطرة القوات المسلحة على المجال العام. أمام هذا التفكك يصبح تنظيم الجماهير أكثر صعوبة، خاصة مع سيادة مشاعر الخوف وازدياد أحاسيس غريزة البقاء والاهتمام.
بالأمن والمحافظة على الاستمرار؛ لذا تزداد مشاعر الحرص على القضايا الذاتية التي تدور حول الابتعاد عن العمل العام. لذا لا نستغرب عندما نجد ثقافة تؤجل كل عمليات التنظيم والتطوير ومساندة الجماهير، باعتبار أن الوقت غير مناسب، وأن كل هذا التغيير يمكن أن يتم لاحقًا، وتصبح هذه الحالة الطارئة ثقافة تعطل مفاهيم الشفافية والنقد والديمقراطية. لذا قد تترسخ ثقافة تتبنى الوسائل الأقل خطورة، من العمل الإسفيري وإصدار البيانات والتحرك الدبلوماسي الخارجي. هنا تتحول الوسائل التي فرضتها الضرورة إلى نمط دائم يُقدَّم كأنه استراتيجية كاملة. هنا تصبح المشكلة أزمة في القدرة، فتختار قوى التغيير خيارًا أقل تكلفة وأسهل في عملية التنفيذ، حيث نجد، مثلًا، أن العمل الدبلوماسي قد يصبح اختيارًا مقبولا وجاذبا.
إن القضية تصبح وعيًا زائفًا عندما يتحول هذا الضعف وهذه الحلول المؤقتة إلى حلول طويلة المدى، حيث يتم الدفاع عنها و إنكار الحوجة إلى القاعدة المنظمة، ويحل الاعتراف الخارجي محل التفويض الشعبي، ويتم القبول بأن الحال المؤقت هو الحل الأمثل، وذلك حتى لا ندخل في عملية الجهد والعمل المرهق التراكمي الطويل المدى.هنا نجد ان ضعف القدرات تفتح الباب للوعي الزائف.حيث نجد عدم مواجهة العوائق والاستكانة لها والقبول بحتمية الوقع هو عادةً إفراز لتأثير العقل العاطفي الذي يشكل الوعي الزائف، بحثًا عن اليقين السريع الذي لا يحتمل الانتظار، ولا يسعى إلى العمل الذي يقود إلى المخاطر، فتترسخ فكرة أن العمل الخارجي والدولي أكثر أمانًا، وأكثر سرعة، وأقل تكلفة، و تتوهم بانه أفضل نتيجة؛ حيث نجد أن هذا الوعي يتم فيه الخلط بين عدالة الهدف وامتلاك القوة الحقيقية.
إن هذا الوعي الزائف بعد ان يتمكن يمكن أن نقول إن ملامحه تبدأ في الظهور في الاعتماد غير المتوازن على الخارج.حيث لا أحد ينكر أهمية العامل الخارجي في وقف الحرب، ولكن المبالغة في الاعتماد عليه يضعف الاهتمام ببناء القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على فرضه والتأثير في الداخل. يجعل قوى التغيير تعتمد على الاعتراف الدولي والقدرة على إقناع الوسطاء، وأن ذلك يُعد كافيًا ويعوض ضعف التنظيم الداخلي. لكن العقل الموضوعي يؤكد أن الخارج يستطيع تسهيل التسوية والضغط، ولكنه لا يستطيع صناعة قاعدة اجتماعية مستقلة تضمن استمرار عملية التغيير.إن الارتكان لتقلبات المصالح الخارجية، عندما لا تمتلك الحركة قوة داخلية تحرك الواقع الخارجي، يجعل قوى التغيير مرتبطة بدرجة اهتمام المجتمع الدولي ومصالحه المتغيرة. فإذا تراجع الاهتمام الخارجي أو تغيرت الأولويات الإقليمية، وجدت الحركة نفسها معزولة من دون أدوات بديلة؛ لأن تأثيرها لم يكن قائمًا على تحرك قواعدها الشعبية في داخل الوطن، والتي تستطيع هي وامتداداتها في الخارج أن تحرك الاهتمام الدولي والخارجي
حتى هذا الاهتمام بالعمل الخارجي نجد انه لم يستطع أن يقدم أي تعويض عن غياب الحضور الداخلي.حيث نجد ضعف التنظيم في خارج الوطن واختفاء مؤسسات قوية وسط السودانيين في المهجر التي يفترض ان يكون لها علاقاتها وتأثيرها وسط السودانيين في الخارج أو في الحركة السياسية في الدول الخارجية . حيث لم تظهر، بالقدر المطلوب، فروع منتخبة لصمود، وشبكات عضوية، ولجان متخصصة، ومنصات تمويل وإعلام وضغط سياسي، وتحالفات وعلاقات مع المؤسسات الدولية والحركة السياسية المحلية. هذا الواقع يجعل من قوى التغيير وجودًا خارجيًا نخبويًا وموسميًا يدور حول المؤتمرات والبيانات، أكثر من وجود العمل اليومي التراكمي الذي ينظم الجماهير ويمارس الضغط على الحركة السياسية العالمية وفي الداخل.
نجد من علامات الضعف الواضحة غياب استراتيجية إعلامية لها أدواتها وخريطتها الإعلامية؛ حيث إن الحملة التي واجهت صمود ربطت بين رفض الحرب والخيانة، وبين نقد ممارسات الجيش واتهام صمود بمساندة الدعم السريع. إن صمود لم تكن تمتلك المنصات القادرة أو التنظيم الكافي للوصول إلى الجماهير، حتى تستطيع أن تصل برسالتها، وتحارب التضليل، وتقدم رواية مقنعة تتسق مع موقفها.
إن عدم وجود استراتيجية إعلامية واضحة جعل خطة صمود الإعلامية تعتمد على الاستجابة لما يقوله خصومها، في ردود أفعال تتقلب من اتهام إلى آخر. وهكذا يحدد الخصم موضوع النقاش وتوقيته ولغته والترتيب له، بينما تنشغل الحركة بالنفي والتبرير، بدلًا من الاهتمام بالدور الأساسي في تنظيم الجماهير خلق التفاف حول رؤيتها وبناء الوعي الموضوعي الذي يكشف دوافع الحرب ومضارها.
.إن عقلية الترخيص الأخلاقي، الذي يعتمد على أن رفع الشعارات النبيلة يكفي لأن يكون أساسًا للإيمان بمصداقية التفويض، الذي قد يعطي قيادة التغيير إحساسًا مزيفًا بالحصانة من النقد، باعتبار أنها هي قوى السلام والديمقراطية والحرية.إن عدم الاهتمام بالنقد البنّاء والإيجابي جعل صمود لا تستطيع الاستماع كثيرًا إلى تخوفات الناصحين والمشفقين على خطواتها، ما جعلها تستقبل أي انتقاد باعتباره هجومًا مغرضًا، دون مراعاة النقد المشروع الذي يساعد في التطور ويهدم حواجز كثيرة وتساؤلات صادقة تحتاج الى إجابات.
إن الوعي الزائف تنبع خطورته من أنه يستمر رغم تأثيره السالب ذلك لأنه يؤدي وظائف نفسية وتنظيمية مهمة لقوى التغيير. إذ يحافظ على صورة الذات باعتبار أنها دومًا في الجانب الصحيح، ويحمي القيادة من المسؤولية والمحاسبة، ويحافظ على وحدة هشة داخل قوى التغيير، ويمنع مواجهة ضعف القاعدة الاجتماعية، ويوفر تفسيرًا سهلًا للفشل، ويعطي الأعضاء إحساسًا بالانتماء، ويؤجل الصراعات الداخلية والأسئلة الصعبة، ويجعل تغيير المجتمع شرطًا سابقًا على تغيير التنظيم.
هنا يصبح الوعي الزائف ممارسات تُخدّر وتقدم إجابات سهلة لكنها خاطئة وسالبة لواقع التغيير. وهنا يستمر الوعي الزائف لأنه يقدم بنية دفاعية نفسية ومعرفية تحمي العلاقات والمواقع والمصالح.
إن الوعي الزائف يبدأ حين تعتقد النخبة أن صحة الهدف تمنحها القوة، ويستمر حينما تجد ما يثبت لها أنها هي القادرة على التغيير، فلا تنتبه إلى ضعف العمل التنظيمي واستجابة الجماهير.
إن الميكانيزمات التي تحافظ على هذا الواقع هي الانتقاء في استقبال المعلومات التي تدعم خط قوى التغيير رغم خطئها.حيث استبدال مؤشرات النجاح؛ فبدلًا من أن تعتمد على تنظيم الجماهير، تعتمد على مستوى إجتهاد مجموعة محدودة من القيادات والتحرك الخارجي وقبول المجتمع الدولي، والتعامل مع أي نقد كأنه تهديد للهوية، واستخدام شعار ضرورة وحدة الصف لتأجيل عملية التطوير وتعليق قيم الشفافية والمحاسبة. والشعورة بمشروعية العمل الفوقي بدلا عن الجماهير العاجزة و تأجيل عملية البناء.
إن العمل القيادي المركزي المحدود قد يبدأ باعتباره واقعًا مؤقتًا نتيجة ظرف طارئ واضطراري، لكن مع اكتساب الوعي المزيف تستمر هذه الممارسة دون مراجعة أو تبديل. وبذلك، لا يعود الظرف يقيد التطور والديمقراطية، بل يصبح مبررًا لعدم بنائهما.
نجد أن تجليات الوعي الزائف تقود إلى ضعف عمليات التغيير؛ إذ إن ضعف التنظيم يقلل وصول الخبرات والكوادر إلى القيادة، مع قلة المعلومات المتنوعة، مما يعزز الاعتقاد بأن تقديرات القيادة هي الصحيحة والكافية. هذا الاعتقاد يقلل من الاستثمار في المشاركة والتنظيم والاستماع إلى شرائح أكبر.
هنا تظهر الحوجة إلى السند والدعم الخارجي لتعويض ضعف القوة الداخلية. ويمنح هذا النشاط الخارجي إحساسًا بالتأثير، فيؤخر الاعتراف بضرورة تغيير البنية الداخلية وجعل القوة وسط الجماهير.
يجب الوقوف كثيرًا أمام الاختلاف.
الأعزاء
هي رسالة لا تزعم انها تحمل إجابات ولكنها تطرح أسئلة تفتح باب التحاور عن احتمالات الوعي الزائف وضرورة إعادة النظر للتجربة بقراءة موضوعية تجعل من لا للحرب مظلة تجمع في داخلها كل قوى التغيير وتقدم ضمانا وإحساسا بالأمان لشعبنا بأنها الصراط المستقيم للوصول لدولة العدالة والقانون




شكرا لهذا التحليل الشامل
..لدي سؤالان لصمود:
هل عجزت عن اقامة قناة فضائة لمخاطبة الداخل والخارج من السودانيين
لماذا لم تتحول اخر حكومات الحرية والتغيير إلى حكومة منفي بعد استبعاد العناصر التي ايدت الانقلاب